Thu 12 Feb 2026 1:21 pm - Jerusalem Time

ما وراء الطوفان: حينما تكشف الفيضانات عجز السياسات وهشاشة المؤسسات

تضع الفيضانات المتكررة الدول أمام اختبار حقيقي يتجاوز مجرد التعامل مع ظواهر طبيعية استثنائية، حيث تبرز نجاعة المؤسسات في أداء وظائفها الأساسية المتمثلة في الحماية والاستباق. إن محاولات تعليق الفشل على شماعة المناخ لا تعدو كونها ذريعة لتبرير التقصير في التخطيط وضمان الحد الأدنى من الأمن المجالي والبيئي للمواطنين.

عندما يتحول مشهد انهيار البنيات التحتية وانقطاع الطرق إلى تكرار مأساوي، فإننا ننتقل من توصيف الحالة كظاهرة طبيعية إلى توصيفها كعطب مؤسساتي جذري. هذا الخلل يكشف عن فجوة عميقة في أولويات الدولة، حيث يتم تغليب منطق رد الفعل اللحظي على حساب استراتيجيات الوقاية بعيدة المدى.

إن تكرار الكوارث بالنتائج ذاتها يعني بوضوح أن الدولة لم تطور أدواتها الوقائية ولم تستفد من المعرفة المتاحة لتحويلها إلى سياسات ناجعة. هذا العجز عن الانتقال إلى منطق الاستباق يحول المؤسسات من فاعل استراتيجي إلى جهاز يكتفي بإدارة الآثار المترتبة على الأزمات بعد وقوعها.

يبرز في الخطاب الرسمي ما يمكن وصفه بـ 'القدرنة'، وهي محاولة لتحويل الأزمات الناتجة عن سوء التدبير إلى قدر محتوم لا يمكن رده. يهدف هذا التوجه إلى تخفيف الضغط السياسي عن صناع القرار وإفراغ النقاش العمومي من جوهره المتعلق بتحديد المسؤوليات عن هشاشة البنيات التحتية.

تظهر السياسات العمومية كتعيير عن تراتبية المصالح، حيث تُوجه استثمارات ضخمة نحو مشاريع ذات طابع رمزي واستعراضي مثل الملاعب الكبرى والقطارات فائقة السرعة. وفي المقابل، يتم تهميش الاستثمار في البنيات الوقائية التي قد لا تملك جاذبية إعلامية لكنها تمثل شريان الحياة والأمان للمجتمع.

هذه المفارقة في توزيع الموارد تعيد إنتاج اللامساواة المجالية، إذ تظل المناطق الهشة هي الأكثر عرضة لدفع الثمن الباهظ عند وقوع الكوارث. إن ما نعيشه اليوم هو 'هشاشة مُدارة' ناتجة عن نمط توزيع غير عادل للاهتمام والموارد العمومية بين المراكز والأطراف.

يمثل مشروع الطريق السيار المائي، الذي انطلق تصوره منذ عام 2010، نموذجاً صارخاً لغياب العقل الاستراتيجي في اتخاذ القرار. فالتخلي عن استكمال مثل هذه المشاريع الحيوية دون تبريرات شفافة يطرح تساؤلات كبرى حول استمرارية السياسات العمومية ومدى خضوعها للمزاجية والظرفية.

إن إجهاض المشاريع الاستراتيجية يعكس ضعف الدولة التنموية في تحويل الرؤى إلى التزامات طويلة الأمد تتجاوز تغير الحكومات أو الأشخاص. هذا التخبط يجعل البلاد تدفع كلفة الإهمال مرتين؛ الأولى عند ندرة المياه والجفاف، والثانية عند فيضانها وتدميرها للممتلكات والأرواح.

تتجلى الأزمة السياسية أيضاً في غياب آليات المحاسبة الفعالة، ففي الأنظمة التي تحترم مواطنيها، تتحول الكارثة إلى لحظة لمراجعة شاملة وتقارير علنية. أما الاكتفاء بالتعويضات الظرفية والزيارات البروتوكولية، فهو تكريس لنهج إدارة الغضب الشعبي بدلاً من معالجة جذور الخلل البنيوي.

غياب المساءلة يؤدي إلى تثبيت الفشل كنمط حكم دائم، حيث يدرك المسؤول أن التقصير لن يتبعه جزاء قانوني أو سياسي. هذا الوضع يراكم الأخطاء ويؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الثقة الشعبية في المؤسسات، مما يحول العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى حالة من الريبة المستمرة.

إن تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار أخلاقي، بل هو شرط أساسي لاستعادة الشرعية السياسية. فالدولة القوية هي التي تملك القدرة على تصحيح مسارها ومعاقبة المقصرين داخل أجهزتها، وليس تلك التي تبرع في صياغة خطابات التبرير.

تعتبر الفيضانات مرآة كاشفة لحدود التنمية عندما تتحول إلى واجهة دعائية تفتقر للعمق والوظيفة الحمائية الحقيقية. إن الاستمرار في نفس نمط التدبير الذي يؤجل القرارات الحاسمة ويطفئ الغضب بمسكنات مؤقتة ينذر بمستقبل أكثر قتامة في مواجهة التحديات البيئية.

القول بأن 'السماء هي السبب' يمثل تبسيطاً مضللاً للواقع، فالطبيعة ليست هي الصانع الوحيد للكارثة، بل تشاركها في ذلك قرارات بشرية خاطئة. تهميش الوقاية وإفراغ الدولة من معناها الوظيفي كحامٍ للمجتمع هو ما يجعل من كل زخة مطر تهديداً وجودياً للمواطنين.

في الختام، تتطلب مواجهة هذه التحديات انتقالة نوعية في مفهوم التخطيط، تضع حماية الإنسان وصيانة حقه في الحياة فوق أي إنجازات شكلية. إن استعادة العقل الاستراتيجي في تدبير الموارد هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الفشل الدوري وضمان أمن مائي وبيئي مستدام للأجيال القادمة.

Tags

Share your opinion

ما وراء الطوفان: حينما تكشف الفيضانات عجز السياسات وهشاشة المؤسسات

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.