Thu 12 Feb 2026 12:51 pm - Jerusalem Time

مستقبل الدراسات الإسلامية بين مطرقة التاريخانية وسندان الوحي: قراءة نقدية

يتناول الكتاب الجماعي الصادر عن مؤسسة 'مؤمنون بلا حدود' لعام 2025، إشكالية كبرى تتعلق بمستقبل الدراسات الإسلامية وقراءات المصحف. يسعى هذا العمل إلى إعادة تموضع القرآن الكريم ضمن أفق العلوم الإنسانية الحديثة، متجاوزاً الأدوات التقليدية في التفسير والتأويل.

تنبني الأطروحات المركزية في الكتاب على فرضية 'تاريخية النص'، حيث يتم التعامل مع الوحي كخطاب تشكل ضمن شروط بشرية وتاريخية محضة. ويرى الناقد عامر عياد أن هذا التوجه يقفز من حقيقة أن 'الفهم' تاريخي بالضرورة، إلى اعتبار 'النص ذاته' لا يملك وضعاً متجاوزاً للتاريخ.

يعتمد المشروع على الهرمنيوطيقا الفلسفية التي تجعل الحقيقة أفقاً متغيرًا لا يمكن حصره في صيغة معيارية ثابتة. وهذا الإسقاط على النص الديني المؤسس يؤدي، بحسب القراءة النقدية، إلى تسوية إشكالية بين النص الثقافي ونص الوحي، مما يفرغ الأخير من امتيازه المعرفي.

على الصعيد المنهجي، يوظف الكتاب أدوات مستمدة من الدراسات الكتابية الغربية واللسانيات الحديثة بشكل مكثف. ويرى الباحث أن هذا التوظيف يتسم أحياناً بالانتقائية، دون مراعاة السياقات اللاهوتية والتاريخية الخاصة التي نشأت فيها تلك المناهج في الغرب.

تتحول مناهج النقد التاريخي في هذا السياق من مجرد أدوات تقنية إلى أطر تفسيرية حاكمة تعيد صياغة موضوع الدراسة. وبدلاً من أن يكون التراث شريكاً في بناء السؤال، يتم استخدامه كمادة خام لإنتاج أجوبة مفترضة مسبقاً تخدم سردية تاريخية النص.

يغيب عن الكتاب نقاش جدي حول إمكانية بناء نموذج تأويلي مزدوج يحفظ 'المعنى المقصود' مع الاعتراف بتاريخية الفهم. ويبدو أن الباحثين المشاركين وضعوا القارئ أمام خيارين فقط: إما التقليد التراثي المغلق أو التاريخانية التأويلية المفتوحة بلا حدود.

تؤدي النتائج المعرفية لهذا المشروع إلى إعادة تعريف الدراسات الإسلامية لتصبح فرعاً من العلوم الإنسانية المحضة. هذا التحول يعني عملياً تعليق الوظيفة الهادية والمعيارية للنص القرآني، وتحويله إلى 'مدونة' تاريخية مفتوحة لإنتاج المعنى لا الكشف عنه.

إن المآل الموضوعي لهذه الأطروحات هو 'علمنة' الدراسات الإسلامية بشكل كامل، ودمجها في أفق الأنثروبولوجيا والتاريخ الثقافي. ويطرح هذا التوجه سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان من الممكن الاستمرار في تسمية هذا الحقل 'دراسات إسلامية' بعد فقدان خصوصيته.

يصنف الكتاب ضمن سياق فكري عربي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، متمثلاً في مشاريع 'نقد العقل الإسلامي'. فهو يتقاطع بشكل واضح مع أطروحات محمد أركون ونصر حامد أبو زيد في سعيهم لإعادة موضعة القرآن داخل أفق الحداثة المعرفية.

يتشارك الكتاب مع تلك المشاريع الرؤية القائلة بأن أزمة الفكر الإسلامي تكمن في طريقة التعامل مع النص المؤسس. ويظهر ذلك في الميل لاستدعاء أدوات النقد الأنثروبولوجي لتفكيك ما يوصف بـ 'الأرثوذكسيا النصية' التي سادت لقرون طويلة.

رغم راديكالية الطرح، إلا أن الكتاب يقدم أفكاره بلغة أكاديمية هادئة وأقل سجالية من المشاريع السابقة. فهو يعيد تركيب مفاهيم التاريخانية والهرمنيوطيقا بوصفها بديهيات منهجية لا تحتاج إلى دفاع نظري طويل، مما يسهل عملية تطبيعها في الوسط الأكاديمي.

يلاحظ الناقد غياب أي اشتغال حقيقي على بناء حداثة تأويلية من داخل علوم القرآن وأصول الفقه نفسها. فالتجارب التي تنطلق من داخل المرجعية الإسلامية غالباً ما تُهمش أو تُصنف كـ 'تقليد مقنع' لا يرتقي لمستوى الحداثة المطلوبة.

يمثل الكتاب وثيقة كاشفة عن اتجاه مهيمن لدى جزء من النخبة الأكاديمية العربية يرى القطيعة مع البنية الكلاسيكية شرطاً للمستقبل. وهذا الاتجاه يضع الباحثين أمام صراع هوية حاد حول طبيعة الحقل المعرفي وأدواته المنهجية في القرن الحادي والعشرين.

في الختام، يظل الكتاب محفزاً إشكالياً يفتح الباب أمام مراجعات عميقة حول علاقة النص بالقارئ وسلطة التراث. إنه يقدم خريطة لخطوط التوتر الكبرى في الفكر العربي المعاصر، ويفرض إعادة التفكير في شروط المعرفة الدينية وحدود التجديد.

Tags

Share your opinion

مستقبل الدراسات الإسلامية بين مطرقة التاريخانية وسندان الوحي: قراءة نقدية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.