تختزل ذاكرة اللبنانيين اسم 'الفرقة 16' كرمز لهيبة الدولة التي سادت قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، حيث كانت سياراتها السوداء وقبعات عناصرها الحمراء تثير الرهبة والطمأنينة في آن واحد. تأسست هذه الوحدة النخبوية التابعة لقوى الأمن الداخلي في أواخر الخمسينيات، وتحديداً عقب أزمة عام 1958، بقرار من الرئيس اللواء فؤاد شهاب الذي سعى لترميم مؤسسات الدولة المنهارة.
جاء تعيين المقدم المغوار عزيز الأحدب مديراً للبوليس ليضع حجر الأساس لهذه الفرقة، بعد تكليف مباشر من شهاب الذي آمن بأن الأمن هو مصدر شرعية السلطة. استلهم الأحدب نموذج الفرقة من تجربة أمنية في الأردن، تركز على التدخل السريع والانتشار المرن في الشوارع لمكافحة الجريمة وضبط الانفلات الأمني.
خضع عناصر الفرقة المختارون بعناية لتدريبات قاسية في معسكرات المغاوير التابعة للجيش اللبناني لمدة ثلاثة أشهر، لضمان أعلى مستويات الانضباط واللياقة البدنية. وتم تجهيزهم بهوية بصرية فريدة شملت القبعة الحمراء وبنادق رشاشة خفيفة وسيارات حديثة، مما جعل حضورهم في شوارع بيروت علامة فارقة على قوة القانون.
تعددت الروايات حول سر تسمية 'الفرقة 16'، حيث يرجح العميد المتقاعد ديب الطبيلي أن الرقم مرتبط ببندقية 'M16' الأمريكية التي كانت الفرقة أول من تسلح بها في لبنان. ورغم أن عدد عناصرها الأوائل كان 100 عنصر، إلا أن صيتهم تجاوز عددهم بكثير بفضل العمليات النوعية التي نفذوها في ملاحقة كبار المطلوبين وشبكات الجريمة المنظمة.
سجلت الفرقة نجاحات أمنية باهرة، كان أبرزها القبض على عدنان سلطاني قاتل الصحافي كمال مروة عام 1966، وتوقيف إبراهيم النابلسي المتورط في جريمة قتل مروعة هزت منطقة الأشرفية. كانت هذه العمليات تعكس قدرة الدولة على الإمساك بزمام المبادرة الأمنية وفرض العدالة في وقت قياسي، مما عزز ثقة المواطنين بالمؤسسة الأمنية.
مع اندلاع شرارة الحرب الأهلية عام 1975، بدأت هيبة 'الفرقة 16' تتآكل تدريجياً أمام سطوة الأحزاب والميليشيات المسلحة التي بدأت تتقاسم النفوذ على الأرض. واجه عناصر الفرقة مواقف مهينة، منها تجريدهم من سلاحهم على حواجز حزبية، مما عكس تحولاً خطيراً في موازين القوى لصالح القوى غير الشرعية.
يروي المؤهل المتقاعد علي توفيق الخطيب، أحد عناصر الفرقة، كيف بدأت المؤسسات الرسمية تُدفع إلى الهامش مع دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976. ويستذكر حوادث وجهت فيها الدبابات السورية مدافعها نحو ثكنات قوى الأمن، في إشارة واضحة إلى انتهاك سيادة الدولة وتهميش دور أجهزتها الأمنية.
السلطة تستمد هيبتها من الأمن وهذه مهمتك.
لم تكن الحرب الأهلية التحدي الوحيد، إذ جاء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ليشل ما تبقى من قدرة للفرقة على الفعل الأمني في العاصمة بيروت. تعرضت مراكز الفرقة للقصف والحصار، وتحول دور عناصرها من حماة للقانون إلى شهود على دمار مؤسساتهم تحت وطأة الاحتلال وتغول الميليشيات المحلية.
رغم الانقسام الحاد الذي شهده لبنان، يؤكد قادة سابقون في الفرقة أن قوى الأمن الداخلي ظلت المؤسسة الأقل انقساماً طائفياً، حيث حافظ العسكريون على حد أدنى من التنسيق. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني فرض تقسيماً صورياً بين مراكز الفرقة في بيروت الشرقية والغربية، مع بقاء الولاء للقيادة المركزية.
بعد اتفاق الطائف ونهاية الحرب عام 1990، طرأت تغييرات جذرية على هيكلية الفرقة، حيث تم تغيير اسمها إلى 'فوج الطوارئ'. وتزامن ذلك مع بروز وحدات أمنية جديدة مثل 'وحدة القوى السيارة' التي تسلمت المهام القتالية والأمنية الأكثر تعقيداً وتوسعاً على مستوى الأراضي اللبنانية كافة.
انحصر دور 'فوج الطوارئ' تدريجياً ضمن النطاق الجغرافي لبيروت، وفقد الكثير من الزخم الذي ميز 'الفرقة 16' في عصرها الذهبي. ويرى مراقبون أن هذا التراجع كان انعكاساً طبيعياً لتغير طبيعة الدولة اللبنانية والتحولات السياسية التي أعقبت الحرب، حيث تداخلت المهام الأمنية مع الحسابات السياسية.
تظل قصة 'الفرقة 16' شاهدة على حقبة 'الشهابية' التي حاولت بناء دولة المؤسسات والقانون في لبنان قبل أن تعصف بها الرياح الطائفية والإقليمية. إنها حكاية قوة بدأت كرهان على أن الأمن يصنع الهيبة، وانتهت كمرآة لانكسار الدولة وتشتت سلطتها بين الوصايات الخارجية والقوى المحلية.
اليوم، يستعيد المتقاعدون من عناصر الفرقة ذكرياتهم بكثير من الحنين إلى زمن كان فيه 'الشرطي' يمثل الدولة بكل ثقلها، قبل أن تصبح الشوارع ساحات للصراعات المفتوحة. وتبقى 'القبعة الحمراء' رمزاً في الذاكرة الجماعية اللبنانية لزمن جميل ضاع وسط ركام الحروب المتتالية التي أثقلت كاهل البلاد.
في الختام، يمثل مسار 'الفرقة 16' درساً تاريخياً في أهمية استقلالية المؤسسات الأمنية وقدرتها على الصمود في وجه التجاذبات السياسية. فالهيبة، كما يروي أبناء تلك الحقبة، لا تُستمد من السلاح وحده، بل من الانضباط والقرار السياسي الصلب الذي يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار حزبي أو طائفي.





Share your opinion
من الهيبة إلى الانكسار.. حكاية 'الفرقة 16' التي جسدت صعود وسقوط الدولة اللبنانية