شهدت العاصمة الإسبانية مدريد تحركات دبلوماسية مكثفة بعيداً عن عدسات المصورين، حيث احتضن مقر إقامة السفير الأمريكي مفاوضات استثنائية جمعت أطراف نزاع الصحراء. وشاركت في هذه المحادثات وفود رفيعة المستوى من المملكة المغربية وجبهة البوليساريو، بالإضافة إلى الجزائر وموريتانيا، في محاولة لكسر الجمود المستمر منذ سنوات.
تأتي هذه الاجتماعات بعد انقطاع دام لأكثر من ست سنوات عن المفاوضات المباشرة، حيث كان آخر لقاء جمع الأطراف في سويسرا بين عامي 2018 و2019. وقد عكس مستوى التمثيل في مدريد جدية المساعي الدولية، إذ حضر وزيرا خارجية المغرب والجزائر، ناصر بوريطة وأحمد عطاف، مما أعطى الزخم اللازم لهذه الجولة المغلقة.
قادت الولايات المتحدة هذه المحادثات بشكل مباشر عبر مبعوثين رفيعي المستوى، على رأسهم مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومايك والتز، سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة. كما شارك في اللقاءات ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، لضمان التنسيق بين المسارين الدولي والأمريكي.
أفادت مصادر مطلعة بأن اختيار مدريد لاستضافة هذه اللقاءات جاء لاعتبارات لوجستية وتواجد مكاتب للبوليساريو هناك، رغم أن إسبانيا لم تكن طرفاً مباشراً في طاولة المفاوضات. وقد استمرت النقاشات على مدار يومين، حيث تمددت الجلسات نتيجة التباين في وجهات النظر الذي ساد في الساعات الأولى من الاجتماع.
تركزت المباحثات حول خطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، والتي باتت تحظى بدعم دولي واسع، خاصة بعد قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2025. وتعتبر واشنطن أن هذه الخطة، المكونة من 40 صفحة في نسختها المحدثة، هي المرجعية الوحيدة والواقعية القابلة للتطبيق لإنهاء هذا النزاع الإقليمي الطويل.
سبقت جولة مدريد تحركات دبلوماسية استباقية قام بها مسعد بولس، شملت زيارة إلى الجزائر ولقاءً مع الرئيس عبد المجيد تبون. ويبدو أن هذه المشاورات نجحت في إقناع الجانب الجزائري بالمشاركة الفعالة في حوار مدريد، رغم تحفظات سابقة على قرارات مجلس الأمن الأخيرة بشأن الملف.
كشفت التقارير أن الإدارة الأمريكية تسعى جاهدة لوضع جدول زمني محدد للخطوات القادمة، يهدف إلى عقد قمة كبرى في واشنطن خلال شهر مايو المقبل. وتطمح الولايات المتحدة من خلال هذه القمة إلى التوصل لـ 'اتفاق إطار' يضع الخطوط العريضة للتسوية النهائية لقضية الصحراء.
واشنطن تمكنت من إقناع الأطراف بأن خطة الحكم الذاتي المغربية هي الوثيقة الوحيدة المطروحة على الطاولة في سياق المناقشات الفنية.
رغم الأجواء الإيجابية التي أشارت إليها البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، إلا أن المفاوضات لم تخلُ من عقبات فنية وقانونية. فقد تعثرت الأطراف في التوصل إلى اتفاق بشأن إنشاء 'لجنة فنية دائمة' تضم خبراء قانونيين لدراسة تفاصيل تنفيذ الحكم الذاتي على أرض الواقع.
تتولى اللجنة المقترحة مهاماً معقدة تشمل صياغة الأنظمة الضريبية والقضائية والأمنية داخل الإقليم في ظل السيادة المغربية. ويرى مراقبون أن غياب التوافق على هذه اللجنة يشير إلى أن الشيطان لا يزال يكمن في التفاصيل الإجرائية رغم التقدم السياسي المحرز.
الموقف الأمريكي الحالي يعكس استمرارية لسياسة الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء التي بدأت في عام 2020. وقد تعزز هذا التوجه بانخراط نشط من إدارة ترامب الجديدة، التي ترى في حل هذا النزاع مدخلاً لتعزيز الاستقرار في منطقة شمال أفريقيا والساحل.
المغرب، الذي يبسط سيطرته على نحو 80% من الإقليم، يعتبر أن أي تفاوض يجب أن ينطلق من قاعدة الحكم الذاتي ولا شيء غيرها. وفي المقابل، لا تزال جبهة البوليساريو تبدي مقاومة لهذا الطرح، مدعومة بمواقف تاريخية من الجزائر، رغم الضغوط الدولية المتزايدة للقبول بالحلول الواقعية.
أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن الوثيقة الأمريكية المقترحة تتجاوز الصياغات التقليدية للأمم المتحدة، وتدفع باتجاه مفاوضات تقنية مباشرة. هذا التحول في الصياغة يهدف إلى نقل الملف من أروقة السياسة العامة إلى لجان التنفيذ العملي، وهو ما يفسر الاهتمام الأمريكي بالتفاصيل الفنية.
يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار تحديد موعد ومكان الاجتماع القادم الذي سيسبق قمة واشنطن الموعودة. ويرى محللون أن نجاح واشنطن في جمع وزيري خارجية المغرب والجزائر على طاولة واحدة يعد بحد ذاته اختراقاً دبلوماسياً كبيراً قد يمهد لتغيير شامل في خارطة التحالفات الإقليمية.
في الختام، تمثل مفاوضات مدريد حلقة وصل حاسمة في مسار طويل من النزاع، حيث تضع الولايات المتحدة ثقلها السياسي لفرض حل نهائي. وستكون الأشهر القليلة القادمة حاسمة في تحديد مدى قدرة الأطراف على تجاوز الخلافات التاريخية والوصول إلى صيغة توافقية تنهي عقوداً من التوتر.





Share your opinion
مفاوضات مدريد السرية: واشنطن تحشد الأطراف لحسم ملف الصحراء في قمة مرتقبة