نفسياً، يُقصَد بالهوس "الإفراط" في بناء تصوُّر أو إدراك حِسِّي لشيءٍ موجود أو غير موجود، بشكل خاطئ أو مبالغ فيه. عادةً لا يقوم هذا الإدراك على فهم الواقع وتقديره بشكل دقيق، بل يرى الفرد أن إدراكه وفهمه هو الصواب، ويعتبر ذلك واجباً لا بدَّ من القيام به، كأنَّ لا مفر منه. يكون ذلك بسبب انفصاله عن الواقع، أو عدم رجاحة التقدير نتيجةً لضغوطات أو أمراض، أو هروباً من مواجهة الواقع، أو بناءً على قناعات فكرية سلبية مسبقة.
إذا ما استمرت الحالة النفسية هذه التي نحن بصددها – "الهَلوسة" – فقد تتطور إلى مرضٍ عقلي، كونها تخيُّلات لا تفضي إلى نتائج إيجابية ملموسة كما توقَّع ذاك الشخص.
قصدتُ من الشق الأول في العنوان تكرارَ ما تمارسه السلطة القائمة بالقوة من إبعاد شخصيات دينية ومجتمعية عن المسجد الأقصى المبارك بين الفينة والأخرى، وعن الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، خاصة في شهر رمضان الفضيل، ظنّاً منها أن هؤلاء قد يُثيرون "الشغب" في الحيِّز الجغرافي المقصود، دون الإقرار بأن الوضع غير السليم هو السبب وراء الاحتجاجات (إنْ تمَّت). في حين أن الهدف الفعلي الخفي هو شيطنة مناسبة حلول هذا الشهر المبارك.
أودُّ التركيز هنا على الشطر الثاني من العنوان، وبالتحديد هَوَس الشراء في رمضان.
الأصل أن يتبنَّى الشخص ويُذَوِّت قاعدةً أساسية في الحياة، ألا وهي: "يشتري ما يحتاجه، وليس ما يريده". وبالتالي عليه أن يُفكِّر أكثر من مرَّة قبل الشراء، رغم إدراكنا المسبق أن الشخص الجائع لا يستطيع ذلك؛ لأنه لا يريد أو لم يُفكِّر مسبقاً فيما يحتاج. خاصةً وللأسف الشديد، نحن اليوم نأكل مما لا نزرع، ونلبس مما لا نصنع. فيكون القرار نابعاً من الرغبة في الإشباع، وليس من تأمين ما يحتاج من مواد غذائية أو لباس أو مواد غير دائمة الاستعمال. هنا يعتري الشخصَ نمطٌ من التفكير الاندفاعي العاطفي المتسرع، وليس العقلاني المتدبِّر، فيقع فريسة التسرع جرَّاء عدم التخطيط المسبق. بينما الأصل في التسوُّق الناجح – إضافةً إلى التخطيط المسبق – مع ضرورة التفكير بالغير من المحتاجين، الابتعادُ كلَّ البُعد عن التهافت والمزاحمة ورفع الصوت، مما قد يكون سبباً في بطلان الصيام بسبب هَوَس الشراء هذا، والله أعلم.
باختصار شديد، يتم الإفراط في التسوُّق خلال شهر رمضان المبارك، بدافع نفسي وعاطفي يتخطَّى الأصلَ المتمثِّل في شراء ما نحتاج وليس ما نريد.
قد يعمد الشخص المفرط المصاب بهوس التسوُّق إلى القيام بذلك لشعوره بالحاجة إلى تقليل حالة التوتر والقلق الذي يشعر به، وبالتالي ضعف القدرة على السيطرة في اتخاذ القرار المتزن. وهذا ما يُفسِّر إدمان البعض على الاكتظاظ قبيل ساعات الإفطار.
يترتَّب على حالة هوس الشراء في رمضان – إضافةً إلى هدر المال: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29]، مع ضرورة التأكيد على أننا لا ندعو إلى الشحِّ والتقتير – هنا نودُّ اقتراحَ إعداد قائمةٍ مسبقة بالاحتياجات، والعمل قدر المستطاع للالتزام بها، حتى لا ينتاب المرء الشعور بالندم لاحقاً.
في الختام، حبَّذا لو نستذكر من هم محتاجون وفقراء من حولنا، من أقارب وجيران وأبناء سبيل، كونَ لهم حقوقاً وواجباتٍ علينا وفق التعاليم الدينية، وما لها من دور فاعل في تعزيز التكافل الاجتماعي والسلم الأهلي، من خلال نشر الفضيلة ومكارم الأخلاق بين أبناء المجتمع الواحد: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 1–7].
صدق الله العلي العظيم.
Wed 11 Feb 2026 9:31 am - Jerusalem Time





Share your opinion
الهوس من رمضان وفي رمضان