Tue 10 Feb 2026 3:15 am - Jerusalem Time

غزة بين وهم التهدئة ونذر الانفجار: قراءة في خروقات اتفاق 'ترامب'

على الرغم من الإعلان الرسمي عن توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإنجاز تفاهمات المرحلة الأولى التي رعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن الواقع الميداني يشي بغير ذلك تماماً. فالمتابع للمشهد يدرك أن آلة القتل الإسرائيلية لم تتوقف عن استهداف المدنيين، حيث تواصلت الغارات وعمليات الاغتيال الممنهجة بأوامر مباشرة من بنيامين نتنياهو.

تتزامن هذه الانتهاكات العسكرية مع صمت مريب من الإدارة الأمريكية، وتحديداً من الفريق المكلف بالملف الذي يضم ويتكوف وكوشنر، مما يعزز الانطباع بوجود ضوء أخضر لاستمرار الضغط على الفلسطينيين. ولم تقتصر المعاناة على الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل تشديد الحصار وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة كالخيام والدواء والكساء.

تعيش غزة حالياً فصلاً جديداً من فصول المجاعة القسرية التي فرضها الاحتلال، وهي حالة يصفها مراقبون بأنها أشد قسوة مما كانت عليه الأوضاع قبل توقيع الاتفاق. وزاد من وطأة هذه الكارثة تتابع المنخفضات الجوية التي أغرقت خيام النازحين وحولت حياة الآلاف إلى جحيم وسط البرد القارس والصقيع الذي ينهش أجساد الأطفال.

في الثالث من شباط/ فبراير 2026، كان من المفترض أن تُفتح بوابة معبر رفح في الاتجاهين كجزء من استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، وذلك بعد وساطة قادها ويتكوف مع الجانب الإسرائيلي. إلا أن نتنياهو تعمد المماطلة والامتناع عن تنفيذ هذا البند، مبقياً المعبر مغلقاً في وجه الحالات الإنسانية والاحتياجات الأساسية.

وعندما وافق الاحتلال أخيراً على فتح المجاءت الشروط الإسرائيلية لتجعل من هذه الخطوة عبئاً إضافياً بدلاً من كونها انفراجة، حيث تم تقييد الحركة بمعايير أمنية مشددة. واشترط نتنياهو ألا يتجاوز عدد المغادرين 150 مريضاً فقط، مع فرض إجراءات تدقيق وتحقيق مهينة لكل من يسعى للعودة إلى القطاع أو الخروج منه.

تشير التقديرات الفنية إلى أن الالتزام بهذه الشروط التعجيزية يعني أن إجلاء الحالات الطبية الطارئة سيستغرق أكثر من ستة أشهر، بينما قد تمتد فترة انتظار العالقين الراغبين في العودة لسنوات. هذا البطء المتعمد يحول المعبر من شريان حياة إلى أداة للابتزاز السياسي والأمني تحت سمع وبصر الوسطاء الدوليين.

إن استمرار قصف الخيام وهدم ما تبقى من منازل المواطنين يؤكد أن الحرب لم تضع أوزارها فعلياً، بل انتقلت إلى مرحلة استنزاف هادئة بعيداً عن صخب المواجهات الكبرى. ويجد الفلسطينيون أنفسهم اليوم أمام مفارقة مؤلمة، حيث تجري جرائم الإبادة تحت غطاء 'السلام' المزعوم ووعود الإعمار التي لم يتحقق منها شيء.

يرى محللون أن المقارنة بين مرحلة الحرب المفتوحة ومرحلة 'الهدنة' الحالية تكشف عن خسارة كبيرة في زخم الدعم الدولي الذي كان يناصر غزة خلال المواجهات البرية. ففي ظل الهدوء الخادع، تراجعت حدة الإدانات الدولية للكيان الصهيوني، رغم أن وتيرة القتل البطيء والتجويع لم تتراجع بل أخذت منحى تصاعدياً.

لا يمكن لأحد أن يطالب بالعودة إلى ويلات الحرب الشاملة وما خلفته من دمار مهول وقتل جماعي غير مسبوق، لكن الواقع الحالي أصبح لا يطاق وباهظ الثمن على كافة المستويات. فالشعب الفلسطيني في غزة يدفع ضريبة 'الهدوء' من دمه وقوته اليومي، بينما يستمر الاحتلال في قضم الأرض وتثبيت وقائع جديدة.

إن التصميم الذي يبديه نتنياهو على إفشال أي تهدئة حقيقية يشير بوضوح إلى أن الحرب لا تزال خياراً استراتيجياً لدى المؤسسة الإسرائيلية. ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى لفرض واقع ميداني يخدم مصالحه السياسية، مستغلاً الغطاء الذي يوفره له ترامب ومساعدوه في البيت الأبيض.

أفادت مصادر مطلعة بأن التواطؤ الأمريكي في ملف المعابر والاحتياجات الإنسانية يعكس رغبة في إخضاع الحاضنة الشعبية للمقاومة عبر سلاح الجوع. وهذا التوجه يدفع المنطقة نحو انفجار حتمي، إذ لا يمكن للمواطن الفلسطيني أن يقف متفرجاً على موته البطيء في ظل اتفاقيات لا توفر له الأمن أو الغذاء.

إن الاستعداد لجولة جديدة من المواجهة يجب أن يظل أولوية قصوى للقوى الحية في قطاع غزة، بالنظر إلى السلوك الإسرائيلي الذي لا يحترم العهود. فالمؤشرات الميدانية تدل على أن الاحتلال يتحين الفرصة للانقضاض مجدداً على ما تبقى من مقومات الصمود، مستغلاً حالة التراخي الدولي الناتجة عن وهم وقف النار.

في نهاية المطاف، يثبت التاريخ أن الاتفاقات التي لا تستند إلى ضمانات حقيقية وقوة تحميها تظل حبراً على ورق، وهو ما يتجسد اليوم في غزة. فبينما يفاخر ترامب بإنجازه 'التاريخي' في شرم الشيخ، تواصل العائلات الفلسطينية دفن شهدائها والبحث عن كسرة خبز وسط الركام والوحل.

يبقى الرهان الوحيد هو على صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على كشف زيف هذه التفاهمات التي تشرعن الحصار وتجمل وجه الاحتلال القبيح. إن غزة اليوم تقف على مفترق طرق خطير، فإما كسر هذا الحصار الظالم بشكل كامل، أو العودة إلى مربع المواجهة الذي يخشاه الاحتلال رغم كل تهديداته.

Tags

Share your opinion

غزة بين وهم التهدئة ونذر الانفجار: قراءة في خروقات اتفاق 'ترامب'

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.