يمثل كتاب الباحث أحمد بوعود 'الظاهرة القرآنية عند محمد أركون: تحليل ونقد' محطة هامة في السجال المعرفي حول آليات قراءة النص القرآني. يسعى بوعود من خلال هذا العمل إلى غوص عميق في بنية مشروع 'نقد العقل الإسلامي'، متجاوزاً الرفض العقدي التقليدي نحو تفكيك المناهج الإجرائية التي وظفها أركون لنزع صفة التعالي عن الوحي.
يرصد بوعود تحولاً جذرياً في اصطلاحات أركون، حيث استبدل الأخير مصطلح 'القرآن' بـ'الظاهرة القرآنية' كخيار إبستمولوجي يهدف إلى إحداث مسافة نقدية مع النص. هذا التحول يحول كلام الله، في المنظور الأركوني، إلى واقعة لغوية وحدث تاريخي خاضع للتحليل اللساني والاجتماعي، بعيداً عن المسلمات الإيمانية الراسخة.
توقف الكتاب مطولاً عند تشكيك أركون في مشروعية المصحف العثماني، معتبراً إياه 'مدونة رسمية مغلقة' تشكلت وفق اعتبارات سياسية أقصت خطابات شفهية أخرى. ويرى بوعود أن هذا الطرح متأثر بمسلمات استشراقية تسعى للطعن في تواتر النص، محولةً إياه من حقيقة إلهية إلى نتاج بشري وضعي.
في المقابل، قدم بوعود اشتباكاً نقدياً كشف فيه عما وصفه بـ'التاريخانية الانتقائية' لدى أركون، حيث يقبل الروايات التاريخية الشاذة والضعيفة لخدمة نظريته. وفي الوقت ذاته، يرفض أركون الروايات المتواترة وإجماع الأمة، واصفاً إياها بالتلفيق الأيديولوجي، مما يضع علامات استفهام كبرى حول حياده العلمي المدعى.
ناقش بوعود قضية 'مصحف ابن مسعود' بأدوات التحقيق التراثي، مؤكداً أن ما خالف المصحف العثماني لم يكن قرآناً بل تفسيراً مدرجاً أو قراءات شاذة. واستند الباحث إلى إجماع الصحابة والتابعين لإثبات تهافت الدعاوى التي تحاول إثبات ضياع أجزاء من النص الأصلي أو تحريفه.
فند الكتاب مقولة 'اللامفكر فيه' التي يرتكز عليها أركون، مبرهناً على أن القضايا التي زعم أركون تغييبها كانت في صلب اهتمامات علماء التراث. واستشهد بوعود بكتاب 'الإتقان' للسيوطي الذي ناقش ثمانين نوعاً من علوم القرآن، مما يؤكد أن العقل الإسلامي أعمل فكره في هذه المسائل لكن بمنطق اليقين لا الشك.
انتقد بوعود ما يسمى بـ'الإسلاميات التطبيقية' التي دعا إليها أركون لدمج العلوم الإنسانية الحديثة في دراسة الإسلام. وأوضح أن هذا المنهج يختزل الأبعاد الروحية للنص في بنى لسانية شكلية، مما يؤدي في النهاية إلى إفراغ القرآن من محتواه العقدي دون تقديم إضافة معرفية حقيقية.
إن الأداة الوضعية المصممة لرصد الظواهر البشرية قاصرة عن رصد المتعالي، واستخدامها يعني مسبقاً التعامل مع القرآن كظاهرة بشرية بحتة.
كشفت الدراسة عن ازدواجية معيارية في نسق أركون، حيث يعطل آليات الشك المنهجي عند التعامل مع مرويات المستشرقين مثل نولدكه وبلاشير. بينما يطبق أركون أقصى درجات التعسف النقدي على المرويات الإسلامية، وهو ما اعتبره بوعود تناقضاً صارخاً يبتعد عن الموضوعية الأكاديمية الرصينة.
يرى بوعود أن المعضلة الأساسية تكمن في محاولة أركون ردم الهوة بين المطلق الإلهي والنسبي البشري قسراً. فإخضاع 'المقدس' لمعايير 'الدنيوي' يؤدي بالضرورة إلى أنسنة النص ونزع قداسته، وهو ما يرفضه الباحث مؤكداً على السيادة الأنطولوجية للوحي التي تتجاوز حدود الزمن.
أوضح الكتاب أن العلوم الإنسانية الغربية هي نتاج صراع تاريخي مع الكنيسة، وتحمل في طياتها بنية علمانية كامنة. وبالتالي، فإن نقل هذه الأدوات إلى ساحة الفكر الإسلامي دون مراعاة اختلاف الشروط الحضارية يعد منافياً للعلمية، ويحول الأداة البحثية إلى وسيلة لتقويض الإيمان.
سجلت القراءة النقدية انزلاقات في خطاب بوعود نفسه، حيث انتقل في بعض المواضع من تفكيك الحجج إلى تقويم شخصية الخصم. واستخدم الباحث معجماً تقويمياً يحمل أحكاماً مسبقة مثل 'يزعم' و'يدعي'، مما يقرب بعض مقاطع الكتاب من منطق السجال الأيديولوجي أكثر من التحليل الإبستمولوجي الصرف.
رغم القوة النقدية في هدم أطروحات أركون، يلاحظ غياب البديل التأسيسي في دراسة بوعود، حيث اكتفى باستعادة أدوات التراث للرد على الحداثة. ولم يقدم الكتاب مشروعاً بديلاً يستوعب الأسئلة المعاصرة حول تاريخية النص وعلاقته بالواقع المتغير، مما يبقي باب التجديد الحقيقي مفتوحاً.
خلص بوعود إلى أن مشروع أركون يهدف في جوهره إلى تفكيك المقدس، بينما المطلوب هو تأسيس 'إسلاميات بنائية' تستفيد من المنجز الحضاري. ويظل التحدي قائماً في كيفية إنتاج علم إنساني مسلم قادر على تحليل الظواهر المعاصرة بنفس القوة التحليلية للمناهج الحديثة دون استلاب.
تظل دراسة الدكتور أحمد بوعود وثيقة هامة في نقد 'الأنسنة' المعاصرة، حيث تساهم في تصفية الحقل المعرفي من مسلمات الاستشراق. وتفتح هذه المراجعة آفاقاً لمقاربات لاحقة تسعى لإبراز إعجاز النص القرآني في سياق العولمة، مع الحفاظ على ثوابت المرجعية الإسلامية.





Share your opinion
القداسة في مواجهة التفكيك: قراءة نقدية في مشروع محمد أركون للظاهرة القرآنية