كشفت تقارير صحفية دولية عن فضيحة سياسية مدوية هزت الأوساط اللبنانية، بطلها عامل ميكانيك بسيط من شمال لبنان نجح في انتحال صفة أمير سعودي. وتمكن هذا الشخص من خداع نواب وشخصيات سياسية بارزة، والتدخل في ملفات حساسة شملت تسمية رئيس الحكومة في البرلمان.
بدأت خيوط العملية تتكشف بعد تحقيقات موسعة أشارت إلى أن المتصل، المعروف بلقب 'أبو عمر'، كان يمارس ضغوطاً على الكتل البرلمانية قبل جلسات التصويت المفصلية. وادعى المحتال أنه يتحدث بتعليمات مباشرة من الديوان الملكي السعودي، مما دفع بعض النواب لتغيير مواقفهم السياسية بناءً على هذه الاتصالات الوهمية.
التحقيقات القضائية حددت هوية المنتحل بأنه مصطفى الحسيان، وهو فني تصليح سيارات في العقد الرابع من عمره ينحدر من منطقة وادي خالد الحدودية. واستغل الحسيان تشابه لهجة منطقته مع اللهجة السعودية لإقناع ضحاياه بأنه عضو في العائلة الحاكمة بالمملكة، مستخدماً أرقاماً دولية للتمويه.
ولم تكن العملية فردية، إذ برز اسم الشيخ خالدون عريمت كشريك أساسي في هذه الشبكة، حيث تولى مهمة الربط بين 'الأمير المزيف' والشخصيات الطامحة للنفوذ. ويواجه عريمت اتهامات ببناء شبكة علاقات واسعة مكنت الحسيان من الوصول إلى مستويات عليا في الهرم السياسي اللبناني.
وفي إحدى الوقائع المثيرة، تلقى نواب اتصالاً عبر مكبر الصوت قبيل التصويت على اختيار رئيس الوزراء العام الماضي، حيث حذرهم المتصل من تسمية نجيب ميقاتي. وأكد برلمانيون حضروا الواقعة أن هذا التدخل ساهم فعلياً في توجيه بعض الأصوات لصالح مرشحين آخرين تحت وهم 'الرغبة السعودية'.
وتجاوزت طموحات المحتالين التأثير السياسي إلى تحقيق مكاسب مادية وعينية، حيث تشير الشهادات إلى تقديم سيارات وتبرعات مالية لمنظمات مرتبطة بالشيخ عريمت. كما زُعم أن بعض السياسيين طلبوا وساطة 'الأمير' لتسهيل فوز أبنائهم في مسابقات رياضية داخل المملكة العربية السعودية.
وانكشفت الخدعة مؤخراً لتتحول إلى موجة من السخرية الواسعة في الشارع اللبناني، وسط تساؤلات عن سهولة اختراق النخبة السياسية. واعتبر مراقبون أن الحادثة تعكس هشاشة النظام السياسي واعتماده المفرط على الإشارات الخارجية دون التحقق من صدقيتها.
قضية أبو عمر تجسد مدى استسلام النخبة السياسية لقرارات القوى الخارجية، فهم مستعدون لفعل أي شيء بمجرد سماع اللهجة السعودية.
السلطات الأمنية اللبنانية أوقفت الحسيان وعريمت الشهر الماضي، ووجهت إليهما تهماً ثقيلة تشمل الاحتيال والابتزاز وانتحال صفة رسمية. كما تضمنت لائحة الاتهام الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية بين لبنان والسعودية، والتأثير غير القانوني على عمليات التصويت الدستورية.
من جانبها، دافعت عائلة الحسيان عنه معتبرة أنه ضحية للتضليل والاستغلال من قبل أطراف أكثر نفوذاً، مؤكدة أنه يعيش حياة بسيطة للغاية. وأشار أقاربه إلى أنه كان يتلقى مساعدات غذائية وطبية من الشيخ عريمت مقابل تنفيذ هذه المكالمات الهاتفية دون إدراك لخطورتها.
وفي المقابل، نفى محامي الشيخ عريمت أي نية جرمية لموكله، مدعياً أن الشيخ نفسه كان يعتقد بصدق هوية 'أبو عمر'. وزعم الدفاع أن عريمت تعرف على الشخصية عبر وسيط آخر، ولم يكن يهدف لتحقيق أي مكاسب مالية شخصية من وراء هذه الاتصالات.
وشملت قائمة الشخصيات التي تواصلت مع 'أبو عمر' النائب فؤاد مخزومي، الذي أكد مستشاره السياسي أن التواصل استمر لعدة أشهر بانتظام. وأوضح المستشار أن المتصل كان يظهر ثقافة واسعة واطلاعاً دقيقاً على الشؤون الخليجية واللبنانية، مما أبعد عنه الشبهات لفترة طويلة.
كما طالت القضية النائبة السابقة بهية الحريري، التي تلقت اتصال تعزية من المنتحل بتنسيق من رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة. ورغم نفي مكتب السنيورة لأي علاقة مباشرة، إلا أن البيانات الرسمية أكدت حدوث التواصل بناءً على توصية من الشيخ عريمت.
ويرى خبراء سياسيون أن هذه الفضيحة كشفت عن 'عطش' النخبة السياسية اللبنانية لأي إشارة دعم خارجي، لدرجة إلغاء آليات التحقق التقليدية. وأكد سامي عطا الله، مدير مركز بحثي في بيروت أن القضية تجسد مدى استسلام القادة لقرارات القوى الخارجية بمجرد سماع اللهجة المناسبة.
تنتظر الأوساط اللبنانية بدء المحاكمات العلنية لكشف مزيد من المتورطين في هذه القضية التي وصفت بأنها الأغرب في تاريخ الاحتيال السياسي. ويبقى السؤال قائماً حول كيفية تمكن ميكانيكي بسيط من إدارة مشهد سياسي معقد والتلاعب بمصير تسمية رؤساء حكومات عبر الهاتف فقط.





Share your opinion
ميكانيكي ينتحل صفة أمير سعودي ويخدع النخبة السياسية في لبنان