شهدت الأروقة التشريعية الفرنسية مؤخراً تحركات هامة تهدف إلى معالجة ملفات الذاكرة العالقة مع الجزائر، حيث ركزت هذه التطورات على مسارين أساسيين: استعادة الممتلكات التاريخية المنهوبة، والاعتراف بضحايا التجارب النووية في الصحراء الكبرى. وتأتي هذه الخطوات في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين البلدين حالة من الفتور والتعقيد السياسي.
وعدل مجلس الشيوخ الفرنسي مشروع قانون يخص إعادة الممتلكات الثقافية التي استحوذت عليها فرنسا بطرق غير مشروعة، مثل النهب أو السرقة أو البيع بالإكراه خلال الحقبة الاستعمارية. ويهدف هذا النص إلى وضع إطار قانوني عام ينهي الحاجة لإصدار قوانين خاصة بكل حالة على حدة، مما قد يسهل استجابة باريس للمطالب الجزائرية المستمرة.
واعتبر المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا أن هذا التعديل يمثل تجاوزاً لعتبة قانونية وتاريخية مهمة في مسار تسوية ملفات الذاكرة. وأشار ستورا إلى أن المشروع حظي بدعم أكاديمي واسع قبل وصوله إلى البرلمان، مؤكداً أن الهدف هو تصحيح أخطاء الماضي المتعلقة بالتراث الثقافي للدول التي خضعت للاستعمار الفرنسي.
وفي سياق متصل، تبرز قضية مقتنيات الأمير عبد القادر كأحد أكثر الملفات رمزية وحساسية في قائمة المطالب الجزائرية. وكانت الجزائر قد طلبت رسمياً استعادة سيف وبرنوس الأمير، إلا أن السلطات الفرنسية كانت تتذرع دائماً بالعوائق القانونية التي تمنع التصرف في الممتلكات العامة التابعة للمتاحف.
وتواجه عملية استعادة هذه المقتنيات تعقيداً خاصاً في متحف 'كونديه' بإقليم شانتيه، حيث تخضع المجموعات لوصية صارمة تركها دوق أومالي عام 1886. وتنص هذه الوصية على أن المقتنيات غير قابلة للتصرف ولا يمكن نقلها من مكانها، مما يجعل وضعها القانوني محصناً حتى أمام القوانين العامة الجديدة.
من جانبه، أوضح المدير العام لمتحف كونديه أن المتحف لم يتلقَ طلباً رسمياً مباشراً من الدولة الجزائرية حتى الآن بشأن هذه القطع. وأكد أن المؤسسة تلتزم حالياً بترميم المخطوطات وإتاحتها رقمياً للجمهور والباحثين، مع الحفاظ على شروط التبرع التي وضعها دوق أومالي قبل أكثر من قرن.
وعلى صعيد آخر، خطت الجمعية الوطنية الفرنسية خطوة نحو الاعتراف بضحايا التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الجنوب الجزائري. ويهدف النص التشريعي الجديد إلى تحسين آليات التعويض والاعتراف بالمعاناة التي لحقت بالسكان المحليين نتيجة تلك التجارب التي بلغت 17 تفجيراً نووياً.
هناك موضوع حساس يتعلق بزيارة قصر أمبواز حيث سجن الأمير عبد القادر، وقد طلبنا استعادة سيفه وبرنوسه لكن الرد الفرنسي كان دائماً بأن الأمر يحتاج إلى قانون.
ويتضمن القانون مادة تلزم الحكومة الفرنسية بتقديم تقرير شامل خلال ستة أشهر حول سياسة التفجيرات النووية في الجزائر. ومن المفترض أن يشمل هذا التقرير مراجع علمية وتاريخية دقيقة، بالإضافة إلى الكشف عن خرائط الأرشيف المتعلقة بمواقع التفجير ومستويات الإشعاع.
ووصف جان ماري كولان، مدير منظمة 'إيكان' في فرنسا، هذا التطور بأنه تقدم كبير قد يكسر حاجز الصمت المحيط بالملف النووي في الصحراء. وأشار إلى أن فرنسا كانت أكثر شفافية في ملف تجاربها في بولينيزيا، بينما ظلت الوثائق المتعلقة بالجزائر حبيسة السرية الدفاعية لسنوات طويلة.
وتشير الإحصائيات إلى أن نتائج 'قانون موران' السابق كانت مخيبة للآمال بالنسبة للجانب الجزائري، حيث لم يتم الاعتراف سوى بضحيتين فقط. ويأمل الحقوقيون أن يساهم التشريع الجديد في توسيع دائرة المستفيدين من التعويضات وتقديم اعتذار رسمي عن الأضرار البيئية والصحية المستمرة.
ورغم هذه التحركات البرلمانية، يرى مراقبون أن الملف ما يزال غائباً عن الأولويات القصوى للدبلوماسية الفرنسية الرسمية. ففي سبتمبر 2024، لم ترد باريس على مراسلات أممية تتعلق بحقوق الإنسان والنفايات الخطرة الناتجة عن تلك التجارب، مما يعكس ازدواجية في التعامل مع الملف.
وتظل الأزمة الدبلوماسية العميقة بين باريس والجزائر هي المظلة التي تحكم مصير هذه القوانين ومدى فاعليتها على أرض الواقع. فالمسار التشريعي، وإن كان يتحرك في البرلمان، إلا أن تنفيذه الفعلي يرتبط بشكل وثيق بمدى تحسن العلاقات السياسية بين قصر الإليزيه وقصر المرادية.
وتسود حالة من الترقب حول كيفية تعامل الحكومة الفرنسية مع التقارير المطلوبة، خاصة تلك المتعلقة بالأرشيف السري للتجارب النووية. ويرى خبراء أن الكشف عن هذه الخرائط قد يفتح الباب أمام مطالبات قانونية وبيئية دولية لتطهير المناطق الملوثة بالإشعاعات في الصحراء الجزائرية.
وفي الختام، يبقى ملف الذاكرة اختباراً حقيقياً لإرادة البلدين في تجاوز إرث الماضي وبناء علاقة قائمة على الندية. وبينما تقدم القوانين الجديدة إطاراً نظرياً للحل، تظل الرموز التاريخية مثل مقتنيات الأمير عبد القادر والتعويضات النووية هي المحك الفعلي لصدق النوايا الفرنسية.





Share your opinion
تحركات تشريعية في باريس لفتح ملفات الذاكرة والتجارب النووية بالجزائر