Fri 06 Feb 2026 4:58 pm - Jerusalem Time

الجمود المقنّع: كيف تتحوّل الحركة إلى تعطيل للتاريخ في الواقع الإسلامي

لم يكن الخلل في العالم الإسلامي محصوراً في هزيمة عسكرية أو تأخر تقني، بل في تعطّل الحيّز الذي تُنتج فيه الأمم معناها، وتختبر قدرتها على تحويل القيم إلى مؤسسات، والهوية إلى قوة فاعلة في التاريخ. في اللحظة التي فقد فيها المسلمون القدرة على إنتاج رؤية متكاملة للإصلاح، انكسر هذا الحيّز من الداخل، وبات كل استيراد من الخارج فعل استعاضة لا فعل تفاعل، ومحاولة سدّ فراغ لا بناء قدرة.

فالهوية -كما يلخّص عبد الوهاب المسيري- ليست معطى جاهزاً ولا إرثاً ساكناً، بل تتشكل عبر مئات السنين من خلال التفاعل مع الطبيعة والبيئة والشعوب الأخرى. وحين تعطّلت القدرة على التوحيد، لم تعد الدولة إطاراً جامعاً، بل صارت شكلاً سياسياً هشاً، يتبدّل دون أن يحمل مشروعاً حضارياً متماسكاً. وحين يغيب المعنى تتحول المؤسسات إلى هياكل صلبة خاوية، قادرة على التوسع الجغرافي لكنها عاجزة عن غرس القيم.

في المقابل، لم يكن تفوق الغرب نابعاً من استقرار دائم، بل من إبقائه هذا الحيّز مفتوحاً؛ حيث امتلك القدرة على إدارة الصراع داخل بنيته وتحويله إلى أداة تجدد. وهذا ما يعبّر عنه علي عزت بيجوفيتش بأن التاريخ لا يتحرّك في خط مستقيم، بل عبر صراع دائم بين القيم والواقع، وأن محاولة إلغاء هذا الصراع باسم الاستقرار إنما تلغي التاريخ ذاته. أما في التجربة الإسلامية، فقد جرى تقديس الشكل والمؤسسة خوفاً من الفوضى، مما أدى إلى الجمود وتعطيل التاريخ.

هنا تتجلّى السنن لا بوصفها عقاباً، بل قوانين حاكمة لحركة الاجتماع الإنساني، فالمدافعة ليست تمجيداً للعنف، بل آلية لحفظ المعنى ومنع الاستبداد، وضماناً لبقاء المجال القيمي حياً. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري أمام الحركات: أين أقف معرفياً وسياسياً واستراتيجياً؟ فالحركات التي لا تُحدّد موقعها بدقة تتحول إلى قطع شطرنج داخل خطط أكبر منها، تتحرك حين يُسمح لها، وتُستهدف حين تُصبح عبئاً.

المشكلة لم تعد في صدق النوايا، بل في سلامة القراءة للواقع كما هو. وكما ينبه طه عبد الرحمن، فإن الخطر يكمن في الخلط بين الحركة والفعل؛ فثمة حركات تتحرك بلا بوصلة، ويكون حركتها شكلاً من الجمود المقنّع الذي يستهلك الطاقة دون بناء القدرة. إن إعادة التفكير تتطلب مراجعة جذرية للمنهج، لأن القفزات غير المؤسسة غالباً ما تُنتج تراجعات أعمق من الهزيمة الظاهرة.

في هذا السياق، تبدو استعادة فكرة بناء القدرة شرطاً سابقاً على أي مواجهة. وقد لخّص حسن البنا هذه القاعدة بتدرج القوة من العقيدة إلى الوحدة ثم السلاح، كما حذّر سيد قطب من استعجال الثمرة قبل نضجها. إن التداول الحضاري يتوقف حين تفقد الأمة شروط الفعل وتكتفي باستجداء القدرة. الحل يكمن في بناء الإنسان وإدارة الصراع بوعي بالسنن، فالمنهج هو ما يصنع التاريخ لا الحماسة العابرة.

Tags

Share your opinion

الجمود المقنّع: كيف تتحوّل الحركة إلى تعطيل للتاريخ في الواقع الإسلامي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.