في مجالسهم المترفة، يلوموننا لأن بكاءنا لا يُشبه البكاء الذي يرونه في أفلام "هوليوود". تُزعجهم فكرة أننا لا نبدو بنفس الرَّوْعة حين نُصدر أصواتاً مختنقة، وأن أشكالنا بشعة للشاهد العيان حين يروننا لثوانٍ بالخطأ بينما يقلِّبون بين قنواتهم التلفزيونية. يطالبوننا في مجالسهم أيضاً أن نُهدِّئ من حِدَّة فزعنا حين تمرُّ فوق سمائنا طائرة تريد قتلنا، وأن نتعقَّل في النطق أمام الكاميرات، وأن نكون مُؤدَّبين في وصف قذيفة تريد محونا من الوجود، وأن نخفِض من حدَّة نظراتنا اللائمة عندما يأمرنا الجيش بالنزوح، وأن نتمالك أعصابنا في الوقت الذي نتضوَّر فيه جوعاً لا يُفهم تبريره، وأن لا نفقد عقولنا كلما خرج فرد من أفراد أسرتنا ليختلس بعض الوقت لشراء ماءٍ يكاد لا يصلح للشرب الآدمي.
سيأتي صَوْبَنا أعدادٌ مخيفة تناقشنا، سيجتمعون في مجالسهم للتخفيف عن أنفسهم بدعابةٍ يتلوها كبيرهم، عن مُرضعة لم تستطع أن تحمي طفلتها التي لم تحظَ بجمالٍ أوروبي باهر، وهي تزحف بعباءتها الملطَّخة بالدماء. سيسخرون من صوت نحيبها على صغيرتها الشهيدة، ثم سيُعلِّقون على حذائها المخروم من كل الجهات، وبعدها سيضحكون على منظرها وهي مُنفطرة القلب، كونها لم تبكِ بصورة لائقة تدل على الرُّقي في البكاء.
من لم يعش في هذا البلد المُحتل، لن يفهم تماماً عُمق جوارح أرواحنا المُتعَبة، ولا التعب المتراكم والمرئي على وجوهنا. مهما كنتُ بارعاً في وصف الموت، لن تنقبض تماماً قلوب من لم يعش هذا الألم المُزمن. ثم يأتي إلينا أولئك المُفعمون بالرجولة المفرطة، ليقولوا لنا: لا تبكوا! كيف لك أن تقول لنا ما قلتَه عن البكاء، ونحن نودع كل يوم عزيزاً لن يعود بيننا؟ كيف تجرؤ على أن تصف آلامنا وأنت لم تذق شيئاً منها؟ وكيف لك أن ترسمنا في لوحة مليئة بالدماء دون أن تعرف لون دمائنا؟
فلتتحدثوا عن بكاءنا، ولا تبخسوا في وصفكم، أو قولوا فينا قول الذين لم يجربوا الاحتلال. الواحد منا في هذه الجغرافيا المحتلة لم يعد ينتظر شيئاً من أحد، ولم تعد لدينا الطاقة لتحمل أي مشهد يشير إلى الموت أو ما يقاربه في الحزن اللامُنتَهي. فلتأخذوا كل المجالس لكم، ولتتركوا لنا ما تبقى من الألم الذي تركه أصدقاؤنا الشهداء. اتركونا هنا وحدنا، كي نبكي كما لم نبكِ من قبل.
أريد أن أخبركِ، يا سلمى ومن يشبهها، أنكِ تستحقين الحياة، كأي سلمى حرة لا ينتظرها الموت في كل ليلة. كنت أرغب منذ بداية الإبادة أن أُطلِعكِ على بعض الأمور التي آمنت بها قبل أن يحدث الطوفان ببضع سنين. حزنت في وقتها على مشاعركِ، ولم أكن مطمئناً لفكرة مشاركتكِ بما يدور في رأسي الصغير هذا عن الوحوش التي جاءتكم متوعدة بمحوكم عن الوجود. قلت في نفسي، ربما ليس من الحكمة أن أصدم براءتكِ، وبراءة كل الفتيات. هناك خللٌ ما، نعم، ولا بد أن تُرى الصورة كاملة. ودعيني أضع الفلسفة جانباً هذه المرة، لأقول لسلمى ومن يشبهها: توقَّفوا عن الشعور بالدهشة من الواقع.
سلمى، أيتها الناجية – حتى الآن –، عزيزتي، فلتنصتي جيداً... إن ما تربيتم عليه من آمال وحكايا تُروى عن العرب قديماً، لن يعد مجدياً في الزمن الحاضر. كنت أريد أن أعطيكِ القليل من الأمل، لكنه ليس بحوزتي. لم أكن أنوي مصارحتكِ بأني أتفق في مجمل الحال مع الفلاسفة المنتمين للمدرسة العبثية، عندما رأيت لا-إنسانية الإنسان. لنقص تجاربكِ، عزيزتي الصغيرة سلمى، وبساطتها في بقعة جغرافية ضيقة، وعدم اختلاطكِ بشعوب أخرى، جعلكِ تعتقدين أن الإنسان الموجود هنا هو نفسه الإنسان خارج هذا المكان.
ليس الجميع يهتم لأمر احتلال بلادنا، وليس الجميع يناضل لأجلنا أيضاً. ليس الجميع يهتم بموتكِ أو فرص نجاتكِ، وليس الجميع يدعو لكِ أو عليكِ. ليس الجميع أيضاً خونة أو من تخلوا عنكِ، وليسوا جميعهم تشي جيفارا. في العالم الواقعي، هناك المزيد أيضاً. هناك من لا يزال يؤمن بعدالة قضيتنا، وأولويتها حاضرة في مسيرته. هناك من لا تعنيه أرضنا شيئاً ويقول: "هذا لا يخصني". وهناك في الوطن العربي من يريد أن يحظى بحَفنة من تراب بلادنا. وفي الشرق الأوسط من لديه تجارب قديمة جعلته يكره فلسطين وكل ما يمت لها بصلة من قريب أو بعيد. وآخرون، لم ينسوا بعد رفاقهم الفلسطينيين وحقهم في الحياة معاً.
الحياة في عالمنا تختلف – نسبياً بشكل كبير – عما ترونه على شاشات هواتفكم. عزيزتي سلمى وكل أطفال غزة، لا يُحبنا الجميع، ولا يكرهنا الجميع. لن أقول لكِ أن تتوقفي عن طلب العون والاستغاثة من عالمنا، لكني أرجوكِ، لا ترفعي سقف آمالكِ بهم. كم يحزنني أن أراهم وهم يخذلونكِ أنتِ وصديقاتكِ وآخرين ممن يشبهونكِ. لكن الأمر متروك لكم.





Share your opinion
في المجالس المترفة