تسبّبت صورة نشرتها وزارة الدفاع التركية لاجتماع وزير الدفاع يشار غولر مع السفير الأمريكي توم براك بجدل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. وانتقد نشطاء وسياسيون أتراك طريقة جلوس الطرفين، حيث تصدّر براك المشهد بجلوسه منفرداً في صدر القاعة، بينما اصطف الوفد التركي الذي ضم رئيس الأركان والوزير على الجانب، مما أثار تساؤلات حول دلالات هذا الترتيب البروتوكولي وما إذا كان يجسد دوراً 'ضخماً' يلعبه السفير في ملفات المنطقة، لدرجة تسميته من قبل بعض الإعلاميين بـ 'المفوض السامي' الجديد.
وبعيداً عن الجدل البروتوكولي، يُقدم براك كنموذج للطريقة التي تدير بها واشنطن ملفات خارجية معقدة، بدءاً من سوريا ولبنان وصولاً إلى قطاع غزة. وفي هذا السياق، عُيّن السفير البلغاري نيكولاي ملادينوف لإدارة 'مستقبل غزة' تحت مظلة 'مجلس سلام' يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تأسيسه ورئاسته فعلياً. كما يمتد هذا النهج ليشمل ملف فنزويلا الذي فُوّض به وزير الخارجية ماركو روبيو، وسط تحذيرات دولية، كان أبرزها من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حول مخاطر 'الطموحات الإمبراطورية' التي تمنح القوي سلطات مطلقة على حساب الدول الضعيفة.
ويعيد هذا المشهد للأذهان تجربة 'المفوضين الساميين' في المشرق العربي خلال القرن الماضي، والتي شرعنها نظام الانتداب بموجب ميثاق عصبة الأمم. فقد جسّد المفوض السامي سلطة هجينة تجمع بين القانون الدولي والمصالح الإمبراطورية الصريحة، كما فعل الجنرال الفرنسي هنري غورو في سوريا ولبنان حين فكك المؤسسات القومية وأسس لوحدات إدارية طائفية، وكما فعل هربرت صموئيل في فلسطين بتأسيس البنية التحتية للوطن القومي اليهودي وتهميش الأغلبية العربية.
باتت عبارة 'الطموحات الإمبراطورية الجديدة' رائجة، في ظل منح القوي حقوقاً شبه مطلقة على حساب الدول الهشة والمفككة.
وعلى الرغم من تراجع عصر الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن منطق 'الإشراف الخارجي' عاد بأطر جديدة. ويبرز النموذج العراقي بعد عام 2003 كأوضح مثال، حين تولى بول بريمر إدارة البلاد عبر 'سلطة الائتلاف المؤقتة'، متخذاً قرارات مصيرية شملت حل الجيش والأجهزة الأمنية وتكريس المحاصصة الطائفية، وهي قرارات وصفتها تقارير دولية بأنها 'أخطاء جسيمة' أدت إلى فوضى أمنية واجتماعية لا تزال آثارها قائمة.
في الختام، تظل تجربة 'الوصي الدولي' تثير إشكاليات عميقة حول السيادة الوطنية. وبينما قد يرى البعض في التدخلات الخارجية 'تصحيحاً' لمسارات داخلية متأزمة، إلا أن الشواهد التاريخية في فلسطين وسوريا والعراق تؤكد أن سلطة 'المفوض' غالباً ما تخدم مصالح القوى الكبرى على حساب استقرار الشعوب وهويتها الوطنية الجامعة.





Share your opinion
من الانتداب إلى 'الوصاية' الجديدة: هل يعيد ترامب زمن المفوض السامي للمنطقة؟