تحليل إخباري
في لحظة سياسية بالغة الحساسية، جدّد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، تشاك شومر، التزامه المطلق بتوفير "كل ما تحتاجه إسرائيل من مساعدات"، مؤكداً أن أحد أدواره الأساسية كقائد في الكونغرس هو "الكفاح" من أجل استمرار تدفق الدعم العسكري والأمني لها. تصريحات شومر، التي أطلقها خلال لقاء مع قيادات يهودية في نيويورك يوم الأحد (1/2/26)، لم تكن مجرد تأكيد تقليدي على تحالف استراتيجي، بل بدت، في نظر المراقبين ، كإعلانً صريحً عن دعم غير مشروط لإسرائيل، بغض النظر عن طبيعة أفعالها أو تبعاتها القانونية والإنسانية.
قال شومر بوضوح إن الولايات المتحدة "قدمت لإسرائيل، تحت قيادته، مساعدات أمنية أكثر من أي وقت مضى"، متعهداً بمواصلة هذا النهج. هذه اللغة، التي تفتقر إلى أي إشارات إلى قيود أخلاقية أو قانونية، جاءت في وقت تواجه فيه إسرائيل اتهامات متصاعدة بارتكاب جرائم حرب في غزة، واستمرار سياساتها الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وتكريس نظام احتلال طويل الأمد يتناقض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
يشار إلى أنه في إطار ما يسمى ب"الشراكة الإستراتيجية" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تنص مذكرة التفاهم الموقّعة بين الجانبين على تقديم واشنطن دعماً عسكرياً ثابتاً لإسرائيل بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً، ما يجعلها أكبر حزمة مساعدات عسكرية ثنائية في التاريخ الأميركي. ويشمل هذا الدعم تمويلاً لشراء الأسلحة الأميركية المتطورة وتعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. وفي سياق التطورات الأخيرة، أظهرت دراسة صادرة عن جامعة براون، ونُشرت في خريف العام الماضي، أن الولايات المتحدة قدّمت لإسرائيل ما لا يقل عن 28 مليار دولار منذ السابع من تشرين الأول 2023، في مؤشر على تسارع غير مسبوق في وتيرة الدعم العسكري الأميركي.
سجل طويل من الانحياز
لا تمثل مواقف شومر خروجاً عن مساره السياسي التقليدي. فعلى مدار سنوات، كان من أبرز المدافعين عن إسرائيل داخل المؤسسة التشريعية الأميركية، ووقف ضد قرارات دولية تنتقد الاستيطان، وساند تشريعات تجرّم أو تقيّد حركات المقاطعة التي تستهدف إسرائيل أو مستوطناتها. وفي كل محطة مفصلية، فضّل شومر تأكيد "أمن إسرائيل" على أي مساءلة لسلوكها العسكري أو السياسي.
وفي ملف الضفة الغربية، يتجاهل هذا الدعم الأميركي المتواصل حقيقة أن الاستيطان الإسرائيلي يُعد، وفق القانون الدولي، غير شرعي، وأنه يقوّض أي أفق لحل سياسي قائم على قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ورغم ذلك، لم يُسجَّل أن شومر دعم أي خطوة عملية لربط المساعدات الأميركية بوقف التوسع الاستيطاني أو إنهاء الاحتلال، ما يضعه في موقف متناقض مع العديد من زملائه الديمقراطيين.
غزة: الدعم في ظل الكارثة
وبحسب الخبراء، تتضاعف خطورة موقف شومر عند النظر إلى الحرب المستمرة على قطاع غزة. فمع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والإنسانية، يواصل شومر الدفاع عن الدعم العسكري لإسرائيل دون شروط. هذا الموقف يضعه في مواجهة مباشرة مع منظمات حقوق إنسان دولية، وخبراء قانون دولي، وحتى قطاعات متنامية داخل حزبه، ترى أن ما يجري في غزة قد يرقى إلى جرائم حرب أو أفعال إبادة جماعية.
ورغم حديث شومر أحياناً عن "القلق الإنساني" أو "ضرورة إدخال المساعدات"، إلا أن هذه العبارات تبقى، بحسب منتقديه، هامشية مقارنة بدعمه العملي لتزويد إسرائيل بالسلاح والغطاء السياسي، وهو ما يُفسَّر كضوء أخضر لمواصلة العمليات العسكرية دون مساءلة.
تصدّع الإجماع الأميركي
وتعكس تصريحات شومر أيضاً فجوة متزايدة داخل المشهد السياسي الأميركي. فبينما لا يزال قادة المؤسسة التقليدية متمسكين بدعم إسرائيل، تظهر استطلاعات الرأي وتحركات القواعد الحزبية، خصوصاً بين الشباب والديمقراطيين التقدميين، تراجعاً واضحاً في تأييد الدعم غير المشروط. وقد تُرجمت هذه التحولات إلى محاولات تشريعية، وإن كانت محدودة، لوقف أو تقييد صفقات السلاح لإسرائيل، وهي محاولات عارضها شومر بقوة.
,تكشف مواقف تشاك شومر عن جوهر المقاربة الأميركية للتحالف مع إسرائيل بوصفه إطاراً سياسياً-أمنياً يوفّر غطاءً عملياً لسياساتها الميدانية. فمفهوم "الأمن" يُستَخدم هنا كآلية تبرير لوقائع تشمل الاحتلال والاستيطان والحصار واستخدام القوة واسعة النطاق. ويترجم دعم شومر غير المشروط إلى إسناد سياسي مباشر لهذه الممارسات، بما فيها الأفعال المنسوبة إلى إسرائيل في غزة والتي تُدرج، وفق اتهامات ومسارات قانونية دولية مطروحة، ضمن جرائم جسيمة تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية. وبهذا المعنى، لا يقتصر الدور الأميركي على الحماية الدبلوماسية، بل يمتد إلى تحمّل تبعات سياسية وربما قانونية لنتائج هذا العنف المتواصل.
وبحسب الخبراء، فإن الأخطر في خطاب شومر ليس فقط ما يقوله، بل ما يتجاهله. فالصمت عن الضفة الغربية، والتقليل من فظاعة ما يجري في غزة، يعكسان رؤية ترى الفلسطينيين خارج معادلة الحقوق. هذا النوع من الدعم لا يرسخ الاستقرار ولا السلام، بل يعيد إنتاج الصراع. ومن دون مساءلة حقيقية، يتحول الدعم الأميركي من أداة نفوذ إلى عبء تاريخي وأخلاقي.





Share your opinion
السيناتور شومر يؤكد على دعمه المطلق لإسرائيل وما تفعله في غزة والضفة الغربية