يُشكّل منتدى الخبرات في رام الله تجربة ثقافية ومجتمعية راسخة، تنطلق من إيمان عميق بأن التقدّم في العمر لا يعني انحسار الدور الإنساني، بل يفتح مسارًا جديدًا للمشاركة والعطاء. فمنذ تأسيسه في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2018 كأحد مرافق بلدية رام الله المجتمعية، عمل المنتدى على استثمار الخبرات المتراكمة لدى الفئة العمرية فوق الخمسين عامًا، بوصفها معرفة حيّة قادرة على التأثير، وإنتاج مبادرات ثقافية واجتماعية تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وبناء فضاء تشاركي يقوم على التطوع والمبادرة.
يعتمد المنتدى في بنيته التنظيمية والفكرية على مبدأ التطوع وتبادل الخبرة والمعرفة، إذ تُبنى البرامج انطلاقًا من خبرات الأعضاء المهنية والحياتية، ويقودون فيها الأنشطة بروح العمل الجماعي، ضمن عدد من المحاور التي تشكّل الإطار العام لعمل المنتدى:
1. محور تبادل الخبرات
يرتكز هذا المحور على نقل الخبرات الحياتية والعلمية والعملية بين الأعضاء، وبينهم وبين الجيل الشاب. تندرج تحته دورات ولقاءات وورش عمل في مجالات مختلفة تعتمد على خبرة العضو ومهاراته، من بينها تعليم اللغات، التصوير، الغناء، الصحة، مهارات التواصل الاجتماعي الرقمي، الاشغال اليدوية مثل التطريز والكروشيه والصلصال، الالعاب التي تنشط الفكر والذاكرة كالشطرنج، دومينو القطار المكسيكي، والسكرابل، كما و جلسات التفريغ النفسي سواء عن طريق الرسم أو الموسيقى، ودورة مسار الفنان لاكتشاف الذات وإطلاق الإبداع، وغيرها الكثير الكثير.... كما يشمل هذا المحور التطوع الخارجي، حيث يقدّم أعضاء المنتدى خبراتهم لمؤسسات محلية لا تملك القدرة على شراء هذه الخدمات، مثل إنعاش الأسرة، الهلال الأحمر، وعدد من المدارس، في نموذج عملي للتكافل والشراكة المجتمعية.
2. محور الرفاه والعافية
يُعنى هذا المحور بالصحة الجسدية والنفسية للأعضاء، إدراكًا لأهمية التوازن في هذه المرحلة العمرية. يضم البرنامج حصصًا رياضية أسبوعية ثابتة تراعي الخصوصية العمرية، إلى جانب جلسات يوغا بأنواعها المختلفة، ما يسهم في تحسين اللياقة البدنية، وتعزيز الصحة النفسية، والحد من الشعور بالعزلة، ويدعم نمط حياة نشطًا وصحيًا. ومن ضمن انشطة الرفاه والعافية يتم عمل، مسارات للمشي، رحلات، ولقاءات مجتعية في المناسبات المختلفة مثل افطارات رمضان، البربارة وغيرها... ويضم هذا المحور أيضًا نشاط "زيارة كبار السن في المدينة" الذين لا تسمح حالتهم الصحية بالحضور إلى المنتدى، بهدف إشراكهم في الفعل المجتمعي والحفاظ على تواصلهم الإنساني والمعرفي.
3. محور القضايا المجتمعية
يركّز هذا المحور على قضايا مجتمعية وموضوعات تمسّ الحياة اليومية، مثل قضايا المناهج التعليمية، التحديات السياسية، الوضع الاقتصادي، وذلك عبر استضافة مختصين وأكاديميين وناشطين، وفتح حوارات معمّقة مع أعضاء المنتدى تهدف إلى الفهم والمساءلة والبحث عن مقاربات واقعية نابعة من الخبرة والتجربة.
ويأتي نشاط "دردشة" بوصفه مساحة حوار مفتوحة داخل المنتدى، تُطرح فيها قضايا اجتماعية وفلسفية وسياسية ومجتمعية، وتُناقش بعمق بعيدًا عن الأحكام المسبقة، بما يتيح للأعضاء التعبير الحر وتبادل وجهات النظر، بالاستناد إلى الخبرة والتجربة كأساس للفهم والحوار.
4. محور تطوير المعارف
يضم هذا المحور نشاطات ثقافية وفكرية متنوّعة، يندرج تحتها نادي الكتاب الذي ينطلق من إيمان بأن المعرفة قوة فاعلة، وبأن الكتاب نافذة أساسية لفهم الذات والعالم، حيث تُناقش أعمال لكتّاب محليين وعرب، وتُستضاف شخصيات أدبية للحوار المباشر مع القرّاء. كما يشمل المحور نشاط عرض وتبادل الكتب المستخدمة بين الأعضاء، جلسات نقاش نصوص أدبية قصيرة، مشاهدة أفلام وتحليل مضامينها، إضافة إلى نشاطات الطرب التي تعيد الاعتبار للذاكرة الموسيقية والوجدانية.
وفي سياق التوثيق وحفظ الذاكرة، برزت عدد من المبادرات، ومن اهمها سلسلة كتب "26 نافذة" والتي تضم نصوصًا كتبها أعضاء المنتدى، توثّق تجاربهم الحياتية والإنسانية بأساليب سردية متنوّعة، وتحمل "النافذة السادسة والعشرون" رمز الأمل والاستمرارية. تمثّل هذه النصوص شهادات حيّة على التجربة الإنسانية، وتسهم في حفظ الذاكرة الفردية والجماعية، بوصف الكتابة فعلًا ثقافيًا واعيًا في مواجهة التهميش والنسيان. وإلى جانب ذلك، يصدر المنتدى مجلة إلكترونية فصلية تُنشر فيها مقالات ومشاركات الأعضاء والأصدقاء بعد تدقيقها من لجنة متطوعة من أعضاء المنتدى، في تجربة تعزّز الكتابة المسؤولة والعمل الجماعي.
يتجاوز أثر المنتدى حدود النشاط الثقافي، ليظهر بوضوح في الصحة النفسية والجسدية للأعضاء. ففي مرحلة ما بعد التقاعد، غالبًا ما يُدفع الإنسان إلى الهامش، ويُختزل دوره فيما أنجزه سابقًا. يقدّم المنتدى رؤية مغايرة، تؤكد أن هذه المرحلة امتداد للحياة لا قطيعة معها، وأن الخبرة المتراكمة قيمة حاضرة وقادرة على الإسهام والتأثير. يشعر الأعضاء بأنهم جزء فاعل من مجتمع حي، وأن ما يحملونه من معرفة وتجربة لا يزال مطلوبًا، ليس من أجلهم فحسب، بل من أجل الأجيال الشابة أيضًا.
بهذا المعنى، يغدو منتدى الخبرات مساحة جامعة لأفراد مختلفين في التجربة والخلفية، يوحّدهم العطاء والإيمان بدور الإنسان في كل مراحل عمره. وهو ما ينسجم مع المثل اليوناني القائل: يتطوّر المجتمع عندما يزرع كبار السن أشجارًا لن يجلسوا في ظلها أبدًا، وهي فكرة يجسّدها المنتدى ممارسة يومية متواصلة، لا شعارًا عابرًا.
Sun 01 Feb 2026 12:05 pm - Jerusalem Time





Share your opinion
منتدى الخبرات برام الله: الخبرة بوصفها قوة اجتماعية فاعلة