Wed 28 Jan 2026 10:48 am - Jerusalem Time

طوابير في المحطات... الضفة تعيش شتاء قاسياً مع تفافم أزمة الغاز

أسامة مصلح: أزمة الغاز حقيقية واستمرار التوريد بالوتيرة الحالية يساهم بتعافي السوق خلال 10 أيام خاصة مع تحسن الأحوال الجوية
د. مؤيد عفانة: الأزمة ستنتهي خلال الأيام المقبلة مع تراكم المخزون لدى المواطنين بسبب عدم وجود احتياج حقيقي نتيجة عوامل غذتها الشائعات
حسناء الرنتيسي: الشائعات سبب جوهري للأزمة والأخبار غير الدقيقة قادت لسلوك استهلاكي غير منظم انعكس مباشرة على نقاط بيع الغاز
مسيف مسيف: الأزمة يمكن تجاوزها باستراتيجية تنفيذية مباشرة عبر زيادة كميات التوريد وتوسيع المخزون وإعادة رسم خارطة التوزيع
أيهم أبو غوش: معالجة الأزمة ليست بزيادة التوريد فقط بل تتطلب تنظيمًا صارمًا لعملية التوزيع وضبط السوق خاصة في فترات الطوارئ
د. ثابت أبو الروس: هناك نقص بإمدادات الغاز لكن الشائعات والسلوكيات غير المسؤولة للمستهلكين والتجار شكّلت العامل الأبرز في تفاقمه



رام الله - خاص بـ "القدس"-
تشهد الضفة الغربية منذ أسابيع أزمة متصاعدة في توفر غاز الطهو، انعكست ازدحامًا غير مسبوق أمام محطات التعبئة، وأثارت قلقًا واسعًا لدى المواطنين مع ذروة فصل الشتاء، وسط تأكيدات رسمية على توفر التوريد في مقابل أزمة فعلية يعاني منها المواطنون.
وبينما تتباين قراءات مسؤولين ومختصين في أحاديث منفصلة مع "ے"، حول أسباب الأزمة، تجمع المعطيات على أنها نتاج تداخل عوامل بنيوية وسلوكية في آن واحد، في ظل بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة.
وتشير المعطيات إلى أن انقطاع التوريد لفترة زمنية سابقة، وتراجع المخزون الاحتياطي، واشتداد الأحوال الجوية، أسهمت في خلق فجوة في السوق، ترافقت مع ارتفاع حاد في الطلب، غير أن هذه الفجوة تعمّقت بفعل سلوكيات استهلاكية غير منظمة، غذّتها الشائعات والهلع الجماعي، ما أدى إلى تخزين مفرط واستنزاف سريع للكميات المتاحة.
في المقابل، تؤكد قراءات مختصين اقتصاديين أن الأزمة لا تقتصر على كميات التوريد فقط، بل تكشف عن خلل أعمق في إدارة السوق، وغياب مخزون استراتيجي، وضعف آليات التنظيم والتوزيع.

أزمة حقيقية.. هذه أسبابها

يؤكد رئيس نقابة أصحاب محطات الغاز في الضفة الغربية أسامة مصلح أن أزمة الغاز التي تشهدها الضفة الغربية هي أزمة حقيقية وليست مفتعلة، مشيرًا إلى أنها نتاج تداخل عدة عوامل، في مقدمتها انقطاع التوريد لفترة زمنية من قبل الجانب الإسرائيلي، واستنزاف المخزون، إلى جانب سلوك المستهلكين وبعض الوكلاء الذي ساهم في تعميق الأزمة.
ويوضح مصلح أن انقطاع توريد الغاز استمر قرابة 10 إلى 12 يومًا قبل نحو أسبوعين، وهي فترة كافية لاستنزاف المخزون المتوفر في محطات الغاز.
ويشير مصلح إلى أن محطات الغاز تعتمد في تخزينها السنوي على تغطية الشهر الأول من العام، وهو شهر ذروة الاستهلاك المرتبط بفترة "أربعينية الشتاء" والبرد الشديد والصقيع، لافتًا إلى أن هذا المخزون جرى استهلاكه بالكامل خلال فترة الانقطاع.
ويبيّن مصلح أن سبب توقف التوريد يعود إلى صعوبات واجهها المورد الإسرائيلي نفسه، حيث عانت إسرائيل من نقص في الغاز، إضافة إلى الظروف الجوية القاسية والمنخفضات المتتالية التي حالت دون تفريغ السفن المحملة بالغاز، حيث أن ارتفاع الأمواج حال دون ربط السفن بالمرافئ، نظرًا لما يشكله ذلك من خطر أمني وتقني قد يؤدي إلى احتكاك أو انفجار، ما اضطر السفن للبقاء في عرض البحر إلى حين تحسن الأحوال الجوية.
ويشير مصلح إلى أنه مع عودة التوريد خلال الأسبوع الأخير، وبمعدل يتراوح بين 500 و600 طن يوميًا، بدأ الانتظام التدريجي في الإمدادات، إلا أن غياب مخزون احتياطي كافٍ ما زال يحد من قدرة السوق على التعافي السريع.
ويؤكد مصلح أن فترة الانقطاع خلقت فجوة كبيرة، ترافقت مع تكدس غير طبيعي للأسطوانات، حيث لجأ بعض الوكلاء إلى جمع أسطوانات المواطنين وتخزينها بكميات كبيرة بهدف إعادة بيعها لاحقًا لتحقق لهم أرباحاً، ما ساهم في تفاقم الأزمة وخلق حالة من الازدحام والفوضى أمام المحطات.

الإعلام وتحمل المسؤولية

ويشدد مصلح على أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة، داعيًا إلى الدقة والمهنية في تناول الأزمة، بما يسهم في تهدئة الشارع والمساعدة في الحل، لا في تأجيج حالة الهلع والتكدس.
ويوضح مصلح أن الجهات الرسمية، وعلى رأسها الهيئة العامة للبترول، تبذل جهودًا واضحة ومكثفة، مؤكدًا أن التوريد لم يتوقف حاليًا، لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب لمعالجة آثار الانقطاع السابق.

الاحتياج المطلوب للخروج من الأزمة

ويلفت مصلح إلى أن السوق حالياً بحاجة إلى توريد مكثف يتراوح بين 800 و1000 طن يوميًا لمدة أسبوع على الأقل، حتى يتم تفريغ الأسطوانات المكدسة وإعادة بناء التوازن.
ويؤكد مصلح أن استمرار التوريد بالوتيرة الحالية من شأنه أن يساهم في تعافي السوق خلال فترة تتراوح بين أسبوع و10 أيام، خاصة مع تحسن الأحوال الجوية واقتراب نهاية فترة "أربعينية الشتاء"، ما يخفف من حدة الطلب على الغاز.
ويشير مصلح إلى أن القطاع الخاص يمتلك قدرات تخزينية كبيرة، حيث تصل سعة التخزين إلى نحو 14 ألف طن من الغاز، وتنتشر في الضفة الغربية 31 محطة غاز، تعمل على مدار الساعة لتلبية احتياجات المواطنين، مشددًا على أن تجاوز الأزمة ممكن في حال استمر التوريد بشكل منتظم وكافٍ خلال الأيام المقبلة.

حالة قلق تغذيها الشائعات

يؤكد الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن الحديث عن نقص حقيقي في إمدادات الغاز بالضفة الغربية لا يعكس الواقع الفعلي للسوق، بقدر ما يعكس حالة قلق مجتمعي وسلوكًا جمعيًا متأثرًا بالشائعات والظروف السياسية والنفسية المحيطة.
ويوضح عفانة أن توريدات الغاز إلى الضفة الغربية مستمرة، بل سجلت مستويات أعلى من السياق المعتاد، مشيرًا إلى أنه تم توريد نحو 547 طنًا من الغاز خلال يوم واحد فقط، في حين يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي خلال فصل الشتاء قرابة 400 طن، ما يعني أن الكميات الموردة تغطي الطلب الفعلي في الظروف الطبيعية.
ويشير عفانة إلى أن المشكلة لا تكمن في التوريد ذاته، وإنما في آليات تنظيم وتوزيع هذه الكميات، خاصة في ظل تهافت المواطنين وارتفاع الطلب بشكل غير مبرر.
ويبيّن عفانة أن السلوك الجمعي للمواطنين، تحت تأثير الخوف من توقف أو نقص الإمدادات، لعب دورًا محوريًا في تفاقم الأزمة، لافتًا إلى أن هذا الخوف تغذّى من عدة عوامل، من بينها الحديث المتكرر عن ضربة أمريكية محتملة لإيران، ونذر الحرب في الإقليم، إضافة إلى المشاهد القاسية والمتواصلة من قطاع غزة، والتي أعادت تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني باتجاه القلق الدائم من فقدان متطلبات الحياة الأساسية.
ويشير عفانة إلى أن بعض وسائل الإعلام أسهمت، بقصد أو بغير قصد، في تهويل قضية نقص الغاز أو انقطاعه في بعض الأيام، ما وفر بيئة خصبة لانتشار الشائعات، خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ويلفت عفانة إلى أن سهولة فبركة الأخبار، وسرعة تداولها، وإضفاء طابع واقعي عليها من خلال مقاطع مصورة مجتزأة أو صور موجهة، أسهمت في خلق حالة من الهلع العام، وأنتجت سلوكًا مجتمعيًا أنانيًا قائمًا على الفردانية.
ويوضح عفانة أن هذا السلوك تمثل في إقبال المواطنين على تعبئة كميات من الغاز تفوق احتياجاتهم الفعلية بأضعاف، إضافة إلى لجوء البعض إلى تخزين الغاز بهدف بيعه لاحقًا في السوق السوداء لتحقيق أرباح، وهو ما حدث بالفعل وإن ضمن نطاق محدود.

الفجوة بين العرض والطلب

ويعتبر عفانة أن الفجوة التي نشأت بين العرض والطلب ليست قائمة على احتياج حقيقي، بل على القلق والخوف والعوامل النفسية التي غذتها الشائعات.
وفيما يتعلق بتفسير استمرار الشعور بنقص الغاز رغم البيانات الرسمية التي تؤكد توفره، يؤكد عفانة أن زيادة الطلب المفاجئة من المواطنين والمؤسسات، إلى جانب التخزين غير المبرر، خلقت اختلالًا مؤقتًا في السوق.
ويرجّح عفانة أن تنتهي هذه الأزمة خلال الأيام المقبلة مع تراكم المخزون لدى المواطنين.
ويؤكد عفانة ضرورة معالجة الأزمة من منظور طويل الأمد، عبر منح تراخيص إضافية لشركات الغاز وفق دراسات احتياج دقيقة، وتوسعة القدرات التخزينية للشركات القائمة، خاصة في المناطق التي شهدت زيادة في الطلب، إلى جانب إقرار آليات تنظيمية عادلة لتوزيع الغاز.
ويشدد عفانة على أهمية توفير معلومات رسمية دقيقة وفي الوقت المناسب لطمأنة المواطنين، معتبرًا أن المعلومة الموثوقة هي الأداة الأهم في مواجهة الشائعات، مع ضرورة مساءلة المنصات الإعلامية التي تنقل أخبارًا غير متحققة، في إطار تعزيز حوكمة الإعلام ومسؤوليته الأخلاقية تجاه المجتمع.

أزمة سلوك استهلاكي

توضح الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية تُظهر صورة مغايرة لما يتم تداوله حول أزمة الغاز في الضفة الغربية، مؤكدة أن السوق لا يعاني من عجز حقيقي في كميات الغاز، بقدر ما يواجه أزمة سلوك استهلاكي واضطراب في إدارة الطلب نتيجة الشائعات والهلع العام.
وتوضح الرنتيسي أن الضفة الغربية تحتاج في ذروة فصل الشتاء القارس إلى نحو 400 طن من الغاز يوميًا، في حين يبلغ حجم التوريد اليومي قرابة 550 طنًا، بينما لا يتجاوز الاستهلاك اليومي في الظروف الطبيعية 317 طنًا.
وتؤكد الرنتيسي أن هذه الأرقام، وفق البيانات الرسمية، تثبت أن السوق من حيث الكميات ليس في حالة نقص، بل إن التوريد يفوق الحاجة الفعلية حتى في فترات الذروة.
وتبيّن الرنتيسي أن الفجوة بين حجم التوريد والاستهلاك تفسر مظاهر الازدحام غير المبرر على شراء الغاز، مشيرة إلى أن العامل الحاسم في الأزمة يتمثل في الشائعات المتداولة، لا في نقص الإمدادات.

الأخبار والمعلومات غير الدقيقة ودورها بالأزمة

وتوضح الرنتيسي أن الأخبار غير الموثقة والمعلومات المبتورة دفعت المواطنين إلى سلوك استهلاكي غير منظم، تمثل في التخزين المفرط وخلق حالة هلع عامة انعكست مباشرة على نقاط البيع.
وتشير الرنتيسي إلى الدور المحوري الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الشائعة، حيث ينتقل خبر غير مؤكد بسرعة، ويتكرر تداوله دون تحقق، ثم يتحول بفعل التكرار إلى قناعة عامة.
وتلفت الرنتيسي إلى أن هذه الآلية تستبدل البيانات الرسمية بانطباعات شخصية، والتحليل الاقتصادي بالأثر العاطفي، ما يربك السوق ويقود إلى قرارات استهلاكية غير عقلانية.

الشفافية لمواجهة الشائعة

وتؤكد الرنتيسي أن مواجهة الشائعة لا تتحقق بالصمت، بل بالشفافية وإتاحة الأرقام في وقتها، إلى جانب المساءلة الإعلامية.
وتعتبر الرنتيسي أن التحقق من المصدر مسؤولية فردية ومهنية في آن واحد، وأن الوعي العام والانضباط الأخلاقي يشكلان خط الدفاع الأول في الحد من تضخيم الخوف الجماعي.
وتشدد الرنتيسي على أنه لا يمكن تجاهل الخلل البنيوي القائم، والمتمثل في غياب مخزون استراتيجي للغاز في الضفة الغربية، واعتماد السوق كليًا على التوريد اليومي، وهو ما يفسر جانبًا من قلق المواطنين ويمنح مخاوفهم أساسًا موضوعيًا، خاصة في ظل بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة.
وتبيّن الرنتيسي أن النقص الظاهر في الغاز يعود إلى زيادة الطلب والتخزين العشوائي، ما يحوّل فائض التوريد إلى نقص مؤقت على مستوى التوزيع، وليس الإمداد.
وتؤكد الرنتيسي أن الحل يبدأ بضبط السوق، وتنظيم آليات البيع، ومنع التخزين غير المنظم، إلى جانب توفير بيانات رسمية منتظمة وبناء مخزون استراتيجي للغاز بوصفه ضرورة اقتصادية وأمنية، مشيرة إلى أن البيانات تطمئن المواطنين بشكل آني، لكن السياسات وحدها تضمن الاستقرار للمستقبل.

جذور المشكلة بنيوية

يؤكد الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) مسيف مسيف أن أزمة الغاز في الضفة الغربية هي أزمة حقيقية وواقعية، ولا يمكن توصيفها على أنها مجرد شائعات، مشددًا على أن جذور المشكلة بنيوية وتتعلق بضعف الاستعداد الاستراتيجي وغياب المخزون الكافي، إلى جانب زيادة الطلب في ظل ظروف استثنائية.
ويوضح مسيف أن العامل الأول والأكثر جوهرية يتمثل في عدم وجود مخزون استراتيجي فعلي لدى السلطة الوطنية الفلسطينية، مبينًا أن المخزون المتوفر حاليًا لا يكفي لأكثر من أسبوعين، وهو أمر غير مقبول بالنسبة لسلعة استراتيجية وأساسية مثل الغاز. ويؤكد مسيف أن أي اضطراب سياسي أو أمني أو حتى توقعات بحرب كفيل بإحداث خلل فوري في السوق، وهو ما يعكس هشاشة منظومة الإمداد الحالية.
ويشير مسيف إلى أن سلوك المستهلكين في هذه الأزمة مبرر، خاصة في ظل أجواء الحروب وعدم الاستقرار، مؤكدًا أن من حق المواطنين تأمين احتياجاتهم الأساسية وأخذ احتياطاتهم، الأمر الذي أدى إلى تهافت نسبي على شراء الغاز وتعبئة الأسطوانات الإضافية الموجودة لدى الأسر.
ويلفت مسيف إلى أن هذا السلوك لا يمكن معالجته بالتصريحات أو مطالبة الناس بعدم التهافت، لأن الخلل لا يقع على المستهلك بل على منظومة العرض.

ظروف جوية قاسية فافمت الأزمة

ويبيّن مسيف أن زيادة الطلب على الغاز ترافقت مع ظروف جوية استثنائية، حيث كان الشتاء الحالي أقسى مقارنة بالسنوات السابقة، ما رفع معدلات الاستهلاك بشكل ملحوظ.
ويلفت مسيف إلى أنه في المقابل، لم ترتفع كميات الغاز المعروض بما يتناسب مع هذه الزيادة، موضحًا أن الكميات التي يتم توريدها للسوق الفلسطيني، والتي تقدر بنحو 500 ألف طن، لا تكفي في ظل الطلب المتزايد، ما أدى إلى فجوة حقيقية بين العرض والطلب.
ويؤكد مسيف أن الأزمة لا تُحل عبر التصريحات الإعلامية أو نفي وجود المشكلة، بل تتطلب حلولًا عملية وفورية، على رأسها ضخ كميات إضافية من الغاز إلى محطات التوزيع، وتوسيع نطاق التخزين، والعمل على استراتيجية للحل حتى لا تتكرر الأزمة.
ويتساءل مسيف: "كيف يمكن لبلد أو سوق أن يعتمد على مخزون لا يكفي سوى أسبوعين لسلعة استراتيجية؟"، معتبرًا أن هذا الخلل هو جوهر الأزمة.

سوء توزيع محطات الغاز جغرافيًا

ويسلط مسيف الضوء على إشكالية أخرى تتمثل في سوء توزيع محطات الغاز جغرافيًا، وغياب التخطيط العلمي في هذا الملف، مشيرًا إلى وجود مناطق بحاجة ماسة لمحطات إضافية، مقابل مناطق أخرى تعاني من فائض في عدد المحطات.
ويلفت مسيف إلى أن مناطق نائية ومهمشة تجد صعوبة كبيرة في الوصول إلى محطات الغاز، خاصة في ظل إغلاقات الطرق، ما يزيد من معاناة المواطنين.
ويشير مسيف إلى دراسة أعدّها معهد "ماس" قبل نحو عام حول الطلب على الغاز وتوزيع محطاته، أظهرت وجود اختلال واضح في توزيع المحطات مقارنة بعدد السكان والجغرافيا، ما يجعل أي خلل بسيط يظهر بشكل حاد وسريع.
ويؤكد مسيف أن الأزمة لا يمكن تجاوزها إلا من خلال استراتيجية تنفيذية مباشرة تقوم على زيادة كميات التوريد، وتوسيع المخزون، وإعادة رسم خارطة توزيع محطات الغاز، معتبرًا أن أي تأخير في معالجة هذه القضايا سيجعل السوق عرضة لأزمات متكررة مع كل ظرف استثنائي.

انقطاع فعلي من الجانب الإسرائيلي

يرى الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن أزمة الغاز القائمة في الضفة الغربية تقوم على شقين متداخلين، أحدهما موضوعي مرتبط بالتوريد، والآخر سلوكي ناتج عن الهلع والشائعات، ما أدى إلى تفاقم الأزمة وظهورها بشكل أكثر حدّة على مستوى السوق.
ويوضح أبو غوش أن الأيام الماضية شهدت انقطاعًا فعليًا في توريد الغاز من الجانب الإسرائيلي لعدة أيام، تزامن ذلك مع ذروة الطلب في ظل فصل الشتاء، حيث يرتفع استهلاك الغاز بشكل طبيعي.
ويؤكد أبو غوش أن هذا الانقطاع أسهم في خلق فجوة مؤقتة بين العرض والطلب، لكن هذا العامل وحده لا يفسر حجم الأزمة التي شهدها الشارع الفلسطيني.

تدافع غير مدروس فاقم الأزمة

ويشير أبو غوش إلى أن التدافع غير المدروس من قبل المواطنين، نتيجة حالة الهلع والخوف التي غذّتها الشائعات حول قرب اندلاع حرب إقليمية، خاصة ما يتعلق بالحديث عن مواجهة محتملة مع إيران، أدى إلى زيادة الطلب على الغاز بشكل كبير وتجاوز الحدود الطبيعية للاستهلاك.
ويعتقد أبو غوش أن جزءًا من المسؤولية يقع على عاتق بعض المواطنين الذين لجؤوا إلى شراء كميات تفوق احتياجاتهم الفعلية، ما ساهم في استنزاف الكميات المتوفرة بسرعة.

ضرورة التدخل الرسمي المباشر

ويبيّن أبو غوش أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على زيادة التوريد فقط، رغم أهميتها، بل تتطلب تنظيمًا صارمًا لعملية التوزيع وضبط السوق، خاصة في فترات الطوارئ.
ويؤكد أبو غوش أن الغاز سلعة أساسية تمس الحياة اليومية للمواطن، ما يستدعي تدخلًا رسميًا مباشرًا لتنظيم بيعها بشكل عادل.
ويقترح أبو غوش إصدار تعليمات رسمية واضحة تقضي بتحديد سقف لعدد أسطوانات الغاز التي يمكن للمواطن الواحد شراؤها خلال فترة زمنية محددة، مثل السماح بشراء أسطوانتين أو ثلاث فقط، وذلك لمنع التخزين المفرط وضمان وصول الغاز إلى أكبر عدد ممكن من الأسر.
ويوضح أبو غوش أن هذه الآلية يمكن تطبيقها من خلال نظام محوسب لدى شركات التوزيع، بإشراف مباشر من الهيئة العامة للبترول.
ويشبّه أبو غوش هذه الإجراءات بما جرى سابقًا خلال أزمات الوقود، عندما تم تحديد سقوف مالية للتعبئة، معتبرًا أن تعميم إجراءات مماثلة على محال تعبئة الغاز من شأنه الحد من الفوضى، وضبط الطلب، والمساهمة في احتواء الأزمة.
ويؤكد أبو غوش أن الجمع بين زيادة التوريد وتنظيم البيع هو الطريق الأنجع لتجاوز الأزمة وضمان عدم تكرارها مستقبلاً.

فراغ سريع في المحطات

يحذّر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس من التعامل السطحي مع ما يُتداول حول أزمة الغاز في السوق الفلسطيني، مؤكدًا أن الأزمة تحمل في طياتها بعدين متداخلين: بعدًا واقعيًا يتمثل في نقص حقيقي بالإمدادات، وبعدًا آخر تغذّيه الشائعات والسلوك المجتمعي الذي فاقم حدّتها وأطال أمدها.
ويوضح أبو الروس أن الأزمة حقيقية وملموسة في الضفة الغربية، حيث يتم توريد كميات من الغاز إلى المحطات، لكنها تُباع خلال ساعات قليلة لا تتجاوز ثلاث ساعات، ما يؤدي إلى فراغ سريع في المحطات ويعطي انطباعًا بانعدام المادة بشكل كامل.
ويلفت أبو الروس إلى أن هذا المشهد اليومي يعكس معاناة فعلية للمواطنين، لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها، إلا أن جزءًا من الأزمة يعود إلى الشائعات التي انتشرت في السوق، رغم أن الكميات الطبيعية من الغاز تُورّد بشكل يومي.
ويبيّن أبو الروس أن حالة الهلع الجماعي التي أصابت المواطنين دفعتهم إلى التهافت على شراء كميات تفوق حاجتهم الفعلية، معتبرًا أن هذه الحالة النفسية كانت عنصرًا أساسيًا في تضخيم الأزمة وتحويلها إلى أزمة مركبة.

الجانب الإسرائيلي سبب واضح

وعن جذور المشكلة، يؤكد أبو الروس أن العامل الإسرائيلي يبقى حاضرًا بقوة، مشيرًا إلى تقارير إسرائيلية تحدثت عن وجود أزمة داخل إسرائيل نفسها تتعلق بالإمدادات الدولية للغاز، الأمر الذي انعكس مباشرة على تقليص الكميات الموردة إلى مناطق السلطة الفلسطينية.
ويوضح أبو الروس أن السوق الفلسطيني يعاني أصلًا من ضعف في القدرات التخزينية، إذ لا يستطيع تخزين الغاز لأكثر من 25 يومًا في أفضل الأحوال، في حين استمرت الأزمة الأخيرة نحو 12 يومًا، ولا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

إشكالية ثقافية

ويسلّط أبو الروس الضوء على الدور المحوري للسلوك المجتمعي في تعميق الأزمة، موضحًا أن العديد من العائلات التي تحتاج عادة إلى أسطوانة أو أسطوانتين فقط، لجأت إلى شراء وتعبئة جرات إضافية "للاحتياط"، ما حرم عائلات أخرى من الحصول على الغاز.
ويعتبر أبو الروس أن هذه الممارسات تعكس إشكالية ثقافية، مؤكدًا أن الثقافة المجتمعية هي مفتاح الخروج من مثل هذه الأزمات.
ويشير أبو الروس إلى أن الحاجة اليومية للسوق الفلسطيني تتراوح ما بين 600 إلى 800 طن من الغاز، في حين لا يتجاوز معدل التوريد 550 طنًا يوميًا، وهو ما يغطي الحد الأدنى من الاحتياج.
ويوضح أبو الروس أن سلوك المستهلكين، إلى جانب حالة الجشع لدى بعض التجار، أدى إلى اختلال واضح في السوق، حيث ارتفع سعر أسطوانة الغاز من سعرها العادل المقدر بنحو 70 شيكلًا إلى ما يقارب 100 شيكل في بعض المناطق.
ويؤكد أبو الروس أن الأزمة، رغم وجود نقص فعلي في الإمدادات من الجانب الإسرائيلي، إلا أن الشائعات والسلوكيات غير المسؤولة للمستهلكين والتجار شكّلت العامل الأبرز في تفاقمها، داعيًا إلى تعزيز الوعي المجتمعي والالتزام بمبادئ العدالة في الحصول على السلع الأساسية، لضمان حق كل مواطن في هذه المادة الحيوية.

Tags

Share your opinion

طوابير في المحطات... الضفة تعيش شتاء قاسياً مع تفافم أزمة الغاز

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.