Mon 26 Jan 2026 9:40 am - Jerusalem Time

القدس عاصمة الألقاب العربية (حين استُبدلت السياسات بالألقاب)

كشف الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال في كانون الأول 2017 لحظة انكشاف سياسية وأخلاقية عميقة، لا لأنه غيّر الوضع القانوني للمدينة، بل لأنه عرّى الفجوة بين الرمز والسياسة في الموقف العربي، عندها بدا السؤال ملحّاً: ماذا فعل العرب للقدس؟ وجاءت الإجابة قاسية، حيث جرى الاستثمار في اللغة أكثر من الاستثمار في الفعل، وكأن الصدمة لم تُنتج برنامجًا للحماية، بل أعادت إنتاج قاموسٍ للتبرير والخطابة، فأُعيد تدوير القدس داخل البيانات بدل إعادة تثبيتها في صلب الأولويات التنفيذية، ثم اكتمل المشهد لاحقًا مع اتفاقيات إبراهيم 2020، (برعاية أمريكية) كترجمةٍ عملية للتكيّف: حيث تمضي العواصم في مسارات "سلامٍ" تتجاوز قرار الاعتراف ولا تُرتّب عليه كلفة، فيما تُترك القدس خارج غرف القرار، حاضرةً في الخطاب… غائبةً في السياسات.
منذ تلك اللحظة بدأ الانزلاق الكبير، تَبدَّلت القدس، من قضيةٍ مُلزِمة إلى لافتةٍ سهلة الاستهلاك خطابياً فهي (حاضرةٌ في العبارة، غائبةٌ في الأداة)، تُستدعى في المناسبات أكثر مما تُستدعى للبرنامج، وحين انفصل الرمز عن أدواته، صار بضاعةً تُلوَّح في المؤتمرات، وتُطبع على الملصقات، ثم تُعاد إلى الرفّ حتى إشعارٍ آخر.

زخم الألقاب… وسؤال الأثر

ظهرت في السنوات الأخيرة، ظاهرة لافتة، عبر منح القدس ألقابًا عربية وإسلامية متتالية، كأننا نُراكم الأوسمة لتعويض غياب القرار، هنا تكمن المفارقة عبر كل لقبٍ "يكبّر" القدس في الخطاب، بينما المدينة تُترك وحيدة في ميدان التنفيذ.
هل يُقاس حضور القدس بعدد العناوين أم بقدرتها على فرض التزامات؟ هل تُدار العواصم بالشعارات أم بالسياسات؟
حين يصبح اللقب هدفًا بذاته، ينقلب المعنى، من "تثبيت القدس" إلى "تثبيت الصورة"، ومن "حماية المدينة" إلى "حماية الشعار"، عندها لا نعود أمام سياسة للقدس، بل أمام صناعة مناسبات… تُنتج ضجيجًا وتمتص حرارة الغضب.

القدس كمنتَج موسمي

تَكريم القدس ليس خطأ، ولا يضرّها أن تُنتخب عنوانًا جامعًا، الخطأ أن يتحوّل التكريم إلى بديلٍ عن الالتزام، في (سوق المناسبات) تُعرض القدس كعلامةٍ جاهزة عبر مناسبة تلو أخرى، واحتفال تلو احتفال… ثم ماذا؟ حتى (يوم القدس العالمي)، بوصفه مناسبة عالمية تتكرر سنويًا في آخر جمعة من رمضان، يتحول داخل هذا السوق إلى طقسٍ عاطفي مكتفٍ بذاته: (يومٌ للصور والهاشتاغات)، لا يومٌ لتثبيت إجراءات وميزانيات وملفات قانونية.
المشكلة ليست في اليوم ولا في الألقاب، المشكلة في تحويلهما إلى سقفٍ نهائي، فما أسهل أن نقول (القدس عاصمة…...)، وما أصعب أن نقول (القدس بندٌ تنفيذي… ومؤشرُ متابعة… وعقدُ مساءلة).

القدس "عاصمة" كذا وكذا

تتوالد صيغة {القدس عاصمة….........} كأنها برنامجٌ قائم بذاته، إذ اختيرت عاصمةَ السياحة العربية (2018)، ثم عاصمةَ الثقافة الإسلامية (2019)، وعاصمةَ البيئة العربية (2019)، وتُثبَّت كذلك بوصفها "عاصمةً دائمة" للثقافة العربية، و "عاصمةً دائمة" للثقافة الإسلامية" ثم تعود في ألقابٍ لاحقة عبر عاصمةَ الشباب العربي (2023)، وعاصمةَ المرأة العربية (2025–2026)، وعاصمةَ الكشافة العربية (2026).
ويُضاف إلى هذا الرصيد الاستدعاء السنويّ ليوم القدس العالمي، استدعاءٌ لا يَعيبه التكرار بقدر ما تَعيبه القطيعة عن الأثر، حين يُترك شعارًا قائمًا بذاته، منفصلًا عن التزامٍ عمليّ قابلٍ للقياس.

الشعار العربي مقابل الخطة الإسرائيلية

المقارنة هنا ليست دعوةً للإعجاب بخصمٍ يملك أدوات القوة، بل فضحٌ لعجزنا حين نختار اللغة بدل الأدوات، الفارق ليس في "الموقف" بل في المنهج: عربيًا تتوالد الألقاب، وتتكرر المناسبات، ويتسع التثبيت الرمزي كأنه إنجازٌ قائم بذاته، وإسرائيليًا تُدار القدس منذ 2018 بعقلية البرنامج: خطط استراتيجية وأهدافٌ محددة، أرقامٌ وميزانيات، مسارات تنفيذ، وآليات متابعة، هناك من يتعامل مع القدس كملف إدارةٍ طويل النفس، ونحن (في الغالب) نتعامل معها كملف خطابةٍ قصير النفس.
وأيّهما يترك أثرًا؟ شعارٌ يتبدّل بحسب الموسم، أم خطةٌ تستمر لأنها محكومةٌ بمؤشرات؟ هنا بيت القصيد حيث تُهزم القدس عربيًا حين تتحول من (قضية سياسات) إلى (تنوع عبارات)، ليس لأن معناها ضعف، بل لأن أدواتها تُسحب من تحتها.

من استهلاك الألقاب إلى استثمار البرامج

لا معنى لأي تشخيصٍ لا يُنتج أدواتَ معالجة، وإذا كان زخمُ الألقاب يكشف اتساع الرمزية وضيق الأثر التنفيذي، فلا بد من الاعتراف بأن جزءًا كبيرًا من الخلل فلسطينيّ أيضًا: حين تحوّلت (المناسبة) إلى موسم تمويلٍ سريع واستهلاكٍ إعلامي، بدل أن تكون رافعةً لتراكم الفعل وبناء مسارات صمود، لذلك تُقدَّم هذه الحزمة كتوجيهٍ مزدوج على المستوى الرسمي والأهلي: للفلسطيني لنقل الألقاب من الاحتفال إلى التمكين، وللعربي لنقل الرعاية من المجاملة إلى الشراكة.
1.    خطة استراتيجية لكل لقب: تحويل اللقب من لافتة إلى جدول عملٍ استراتيجي مُعلن، يوزّع الأدوار ويمنع تبخّر الجهد بانتهاء الموسم.
2.    مرجعية مقدسية واحدة: إنهاء تعدد الواجهات لصالح تنسيقٍ مقدسي يكتب الأولويات بلسان المدينة ويُحسن توجيه الموارد.
3.    تمويل للتشغيل لا للحدث: نقل الإنفاق من قاعات المؤتمرات إلى تشغيل مؤسسات الصمود، مثل المدارس والعيادات والإسكان وملفٍ قانوني يساند المقدسيين على الصمود.
4.    تعزيز أربع مسارات ثابتة: تثبيت مسارات (السكن/التعليم/الصحة/المساندة القانونية) كأعمدة صمود، كل لقب يُترجم فورًا إلى تدخل داخلها، لا إلى ملصقٍ جديد.
5.    شراكة عربية بعقود تنفيذ: تحويل الرعاية إلى التزامٍ دوريّ وتعاونٍ مباشر مع مؤسسات القدس، بدل تضامنٍ يُقال وينتهي عند حدود البيان.
6.    كشف حسابٍ دوريّ للقدس: إصدار متابعةٍ موحّدة تُعلن ما تحقق وما تعثر ولماذا، حتى تصبح المناسبة موعدًا للمراجعة والعمل، لا موعدًا لتجديد الضجيج.

المعنى الذي ينقص اللقب

لا تُقاس القدس بكثرة الألقاب، بل بما نُودِعها من فعلٍ مُنظَّم، فالخطة ليست شعارًا، هي جوابٌ عملي عن ماذا سنفعل هذا العام، ومن ينفّذ، وبأي موارد، وفي أي مسارات، والبرنامج ليس مهرجانًا احتفالياً، إنه تشغيلٌ يومي يحمي السكن والتعليم والصحة، ويسند الناس أمام الهدم والغرامات وسحب الإقامة، أمّا الرعاية فليست بيانًا صحافياً، هي التزامٌ دوري عبر تمويلٌ للتشغيل لا للحدث، شراكةٌ مباشرة مع مؤسسات القدس لا مع واجهات موسمية، وتنسيقٌ يمنع تكرار الجهد وتبديده، حين تصبح المناسبة موعدًا للمراجعة، ويتحول اللقب إلى واجب، وتغادر القدس سوق الألقاب إلى سياسة تحميها، عندها يصبح السؤال أقل عاطفة وأكثر مسؤولية: كم أسرة ثُبّتت، كم طالب واصل تعليمه، كم ملف قانوني صمد، وكم مؤسسة استمرت؟ تلك هي لغة القدس حين تصغي لها جيداً.  

Tags

Share your opinion

القدس عاصمة الألقاب العربية (حين استُبدلت السياسات بالألقاب)

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.