واشنطن – سعيد عريقات
تحليل إخباري
لم تعد مينيابوليس مدينة تتلقى الصدمات ثم تمضي. خلال أقل من أسبوعين، قُتل مدنيان برصاص ضباط فيدراليين من وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، في حوادث متقاربة مكانيًا وزمنيًا، ومتطابقة في نمطها العام: استخدام قوة قاتلة، رواية رسمية متناقضة مع الفيديوهات، وإقصاء متعمد للرقابة المحلية. مقتل بريندا جود في 8 كانون الثاني، ثم أليكس بريتي يوم السبت، 24 كانون الثاني، يضع الوكالة أمام سؤال لا يمكن القفز عنه: من يراقب ICE حين تُنفّذ عملياتها داخل المدن؟
في 8 كانون الثاني، أطلقت قوة من ICE النار على سيارة بريندا جود (37 عامًا)، ما أدى إلى مقتلها في موقع قريب من وسط المدينة. الرواية الأولية تحدثت عن "تهديد" و"مخاطر وشيكة"، لكن لم تُعرض تسجيلات كاملة توضح تسلسل الأحداث. بعد أيام، وعلى بُعد يزيد قليلًا عن ميل واحد، قُتل أليكس بريتي (37 عامًا)، ممرض عناية مركزة، خلال عملية أخرى. التكرار السريع، في المكان نفسه تقريبًا، وبالأداة نفسها، ليس صدفة؛ إنه نمط بحسب الخبراء.
الرواية الفيدرالية في الحادثة الثانية قالت إن بريتي اقترب "مسلحًا" وقاوم بعنف، ما اضطر الضابط لإطلاق "طلقات دفاعية". غير أن مقاطع فيديو التقطها شهود تُظهر بريتي وهو يحمل هاتفًا، وتُوثّق لحظات دفع وتدافع، ثم تطويقًا كثيفًا من عدة ضباط، واستخدام أدوات غير مميتة قبل سماع الطلقات. أين السلاح الظاهر؟ ولماذا لم تُنشر لقطات كاميرات الجسد كاملة حتى الآن؟
الأخطر من ذلك ليس تضارب السرديات فحسب، بل ما تلاه. وفق مسؤولين في ولاية مينيسوتا، مُنِع محققو الولاية من الوصول إلى موقع إطلاق النار، حتى بعد العودة بمذكرة قضائية موقعة. هذا السلوك—إن صحّ—لا يشير إلى "حماية إجراء"، بل إلى تحصين الوكالة نفسها من المساءلة. عندما تُغلق مسارح الجرائم بوجه سلطات الولاية، تتحول التحقيقات إلى رهائن لدى الجهة المتهمة.
ويرى المراقبون أن الاحتجاجات التي ملأت الشوارع، رغم برد قاسٍ بلغ -21 درجة مئوية، لم تكن انفلاتًا عاطفيًا، بل ردًا على شعور متراكم بأن ICE تعمل كقوة منفصلة عن النسيج القانوني المحلي. هتافات "اخرجوا يا ICE" لم تُولد من فراغ؛ إنها خلاصة سنوات من عمليات مفاجئة، واعتقالات في الأحياء، واستخدام للقوة في سياقات مدنية بحتة.
وبدلا من تهدئة المشهد، صعّد البيت الأبيض، حيث هاجم الرئيس دونالد ترمب حاكم الولاية وعمدة المدينة، واتهمهما بالتحريض، ونشر صورًا لسلاح قال إنه عُثر عليه في موقع الحادثة. لكن السياسة هنا غطّت على الأسئلة الجوهرية: لماذا تتكرر الحوادث القاتلة؟ من يضع قواعد الاشتباك داخل المدن؟ ولماذا تُدار عمليات الهجرة بمنطق عسكري؟
من جهته، دعا قائد شرطة مينيابوليس، براين أوهارا، علنًا الوكالات الفيدرالية إلى الالتزام "بالانضباط والإنسانية والنزاهة"، ليس كمجاملة بروتوكولية، بل شهادة اتهام مبطّنة: حين تضطر الشرطة المحلية إلى تذكير وكالة فيدرالية بأساسيات إنفاذ القانون، فهذا يعني أن الخلل بنيوي.
وتتجه الأنظار الآن إلى ما هو أبعد من حادثة بعينها. هناك حديث متزايد عن مراجعة قضائية شاملة لسياسات استخدام القوة لدى ICE، وعن تدخل محتمل من الكونغرس، خصوصًا إذا استمر حجب الأدلة. كما تُناقَش دعاوى مدنية محتملة من عائلات الضحايا، قد تفتح سجلات الوكالة على مصراعيها.
مينيابوليس، التي خبرت معنى الإفلات الفيدرالي من العقاب من قبل، تجد نفسها مجددًا أمام اختبار: إما أن تتحول هذه الدماء إلى نقطة انعطاف تُعيد ضبط علاقة الوكالات الفيدرالية بالمدن، أو أن تُضاف الأسماء إلى قائمة طويلة تُطوى مع الزمن.
ويقر الخبراء أنه عندما تتكرر عمليات القتل في سياق متشابه، خلال فترة قصيرة، وفي نطاق جغرافي ضيق، يصبح توصيف "الحادثة المعزولة" تضليلًا. ما نراه هو نمط يتسامح مع القوة القاتلة، ويعوّل على الغموض بعد الفعل. هذا النمط لا يهدد المدنيين فحسب، بل يقوّض ثقة أي مدينة تستضيف عمليات فيدرالية بلا رقابة محلية فعالة.
كما أن منع محققي الولاية من الوصول إلى مسرح الجريمة –ولو مؤقتًا—يصنع حصانة أمر واقع. فالوقت هنا ليس تفصيلاً؛ إنه عنصر حاسم في جمع الأدلة. ويخشى المراقبون من أن التأخير يُضعف التحقيق ويقوّي الرواية الأقوى سياسيًا، وإذا لم تُكسر هذه الحلقة، ستبقى ICE قاضيًا وخصمًا في آن واحد.
ويصر سياسيو مدينة مينيابوليس على أن الاحتجاجات لن تهدأ ببيانات علاقات عامة، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بنشر كامل للتسجيلات، ومساءلة مستقلة، وتحديد واضح لقواعد الاشتباك داخل المدن. وأنه من دون ذلك، ستتكرر المواجهات، وسيتحول إنفاذ الهجرة إلى بؤرة صدام دائم، خاسره الأول والأكبر هو المجتمع.





Share your opinion
مينيابوليس تحت المجهر: كيف تحوّلت عمليات ICE إلى مسرح قتل خارج الرقابة