يبدأ القلق في القدس من تفاصيل لا تتسع لها نشرات الأخبار، لكنها تكشف جوهر ما يجري في المدينة أكثر من أي خطاب سياسي، يتشكل هذا القلق عبر مكالمة قصيرة تُبلغ مجموعة من الأطفال بأن عرضهم "تأجّل"، موظف عند باب قاعة يطلب خفض الصوت خوفًا من مداهمة النشاط، أو مدير موقع ثقافي يهمس "يا رب تمرق بلا إغلاق هذه المرة"، هذه الوقائع ليست طارئة ولا استثنائية، بل الصيغة اليومية التي تُدار بها الثقافة في القدس.
يتعلّم المقدسي باكرًا أن الفعل الثقافي ليس نشاطًا جانبيًا بعد انتهاء الدوام، بل مساحة اختبار يومية لحقّ الاجتماع، وحقّ الكلام، وحقّ إنتاج المعنى داخل مدينة يُراد لها أن تُدار بالتفكيك لا بالحضور والتراكم، من هنا تبدو الفعالية الثقافية أكبر من حجمها الحقيقي، ليست تفاصيل الفعل الثقافي ما يثير القلق، بل ما يحدث بين الناس حين يجلسون معًا، ويتبادلون نظرة أو ضحكة أو سؤالًا، ويكتشفون أنهم يشتركون في مصير واحد حتى لو اختلفت خلفياتهم الثقافية والاجتماعية وتفاصيل يومهم.
السؤال، إذًا، ليس لماذا تُمنَع بعض الفعاليات الثقافية في القدس، بل ما الذي يجعلها تُعامَل أصلًا بوصفها خطرًا، لماذا يُغلق عرض تراثي للأطفال في اللحظة الأخيرة؟ ولماذا تُصادَر كتب من مكتبة بحجة (الإخلال بالنظام)؟ ولماذا تُمنع فعالية بحجة أنها (غير مرخّصة) رغم أنها تُقام في قاعة مغلقة، بعيدًا عن الشارع والاحتكاك؟ الأجوبة الإجرائية معروفة، لكن معناها الحقيقي أبعد بكثير مما تظهر عليه.
سلطة الاحتلال لا تخشى الحدث الثقافي بحدّ ذاته، فالحدث عابر، يمكن احتواؤه أو تعطيله أو تفريغه من أثره، ما تخشاه فعلًا هو المعنى حين لا يبقى لحظة، بل يتحوّل إلى عادة، وحين لا يكون استثناءً بل يصير ممارسة متكرّرة، الخطر ليس في أمسية قراءة لكتاب، بل في قارئ يعود إلى المكتبة مرة ثانية وثالثة، ليس في ورشة فنية منفردة، بل في مجموعة تتشكّل حولها، وتتعوّد اللقاء، وتبني لغة مشتركة خارج القاموس المفروض عليها، لهذا تُحاصَر الأفعال الثقافية، لأن الثقافة تسمح للمعنى أن يترسّخ دون سلطة، ولأن الاستمرارية تُنتج وعيًا لا يحتاج إلى شعارات.
الثقافة كساحة مواجهة
تُدار السيطرة في القدس عبر التفاصيل، ولهذا تُدار الثقافة بالطريقة نفسها، السلطة الاستعمارية لا تعادي الفن لأنه فنّ، بل لأنها تدرك أن الفن يُنتج روابط، والروابط تُنتج ثقة، والثقة تُنتج قدرة على تسمية الواقع بلا ارتباك، الفعل الثقافي يفتح مساحة عامة داخل مكان محكوم بالضبط، يجلس الناس معًا دون مظاهرة، يتبادلون حكاياتهم دون ميكروفون سياسي، ويخرجون وهم أكثر وضوحًا تجاه ما يعيشونه، الخطر لا يأتي من أمسية واحدة، بل حين تتكرر الأمسيات، وحين يصبح المعنى عادة، المعنى حين يصير عادة يتحوّل إلى سيادة هادئة، عبر حضور يومي لا يطلب الإذن كي يبرّر نفسه.
<<<<<<<<<
السؤال، إذًا، ليس لماذا تُمنَع بعض الفعاليات الثقافية في القدس، بل ما الذي يجعلها تُعامَل أصلًا بوصفها خطرًا، لماذا يُغلق عرض تراثي للأطفال في اللحظة الأخيرة؟ ولماذا تُصادَر كتب من مكتبة بحجة (الإخلال بالنظام)؟ ولماذا تُمنع فعالية بحجة أنها (غير مرخّصة) رغم أنها تُقام في قاعة مغلقة، بعيدًا عن الشارع والاحتكاك؟ الأجوبة الإجرائية معروفة، لكن معناها الحقيقي أبعد بكثير مما تظهر عليه.
<<<<<<<<<<<<<
المسرح ككاشف للحساسية الثقافية
يفضح المسرح في القدس حساسية السلطة الاستعمارية من الاجتماع البسيط، يكفي أن تُعلن فرقة عن عرض ثقافي حتى تبدأ سلسلة المخاوف والاحتمالات: (إلغاء في آخر لحظة، شرط جديد يظهر فجأة، أو طلب بإنهاء الفقرة قبل أن تكتمل)، ليخرج الأطفال بعيون مستغربة، ويحاول الأهل تفسير ما لا يُفسَّر، المشكلة ليست في دمية تتكلم ولا في أغنية تُغنّى، بل في اجتماعهم نفسه، المسرح يُعلّم الصغار أن الحكاية تُقال بصوت عالٍ، وأن الجمهور جماعة تتنفس معًا، وحين يتعلّم الطفل هذا الدرس مبكرًا، يصير أقل قابلية للترويض بالمنع والإرباك، لذلك يُستهدف المسرح لأنه يخلق عادة لقاء، وذاكرة مشتركة، وإيقاعًا يعيد ترتيب الوعي.
المكتبة والذاكرة
تُعدّ المكتبة أخطر على سلطة الاحتلال لأنها تعمل ببطء وبلا ضجيج، كتاب يُصادر بحجة (الإخلال بالنظام) يبدو إجراءً إداريًا، لكنه في الواقع رسالة مفادها ((لا نريد للمدينة أن تمتلك أرشيفها الخاص))، حين تُفتَّش الرفوف ويُعامل العنوان كأنه تهمة، لا يكون الهدف ورقًا وحبرًا، بل حق الناس في اختيار قاموسهم، يشكّل الكتاب في القدس، جسرًا بين البيت والشارع، وتُربّي المكتبة الاستمرارية بصمت عبر قارئ يعود، ثم يعود، فيتحوّل المكان إلى جزء من يومه، الذاكرة حين تُقرأ تصبح معرفة، والمعرفة حين تتكرر تتحول إلى يقين هادئ يصعب مصادرته.
إدارة الزمن والاستمرارية
إذا كانت المكتبة تُقلق السلطة الاستعمارية لأنها تُراكم الذاكرة بصمت، فإن استهداف الزمن يأتي بوصفه المرحلة التالية من الضبط، فالمعنى لا يُنتَج في لحظة واحدة، بل يحتاج إلى وقت منتظم كي يستقرّ ويتحوّل إلى معرفة يومية، من هنا، لا تُمارَس السيطرة عبر المنع المباشر بقدر ما تُمارَس عبر تعطيل هذا الزمن نفسه.
يُترك الفعل الثقافي في القدس معلّقًا بين السماح والمنع عبر تأجيل يتبعه طلب جديد، شروط تتبدّل قبل أن تستقر، وجدول لا يُسمح له أن يكتمل، بهذا الأسلوب لا يُلغى النشاط، بل يُحرَم من إيقاعه، ويُنزَع عنه حقّ التكرار الذي يحوّل الفعل إلى عادة. الثقافة لا تُخيف حين تُقام لمرة، بل حين تُصبح متوقَّعة، وحين يعرف الناس أن اللقاء سيعود وأن المعنى لن يكون طارئًا.
إدارة الزمن بهذه الطريقة لا تستهدف حدثًا بعينه، بل تُنهك الاستمرارية نفسها، فالاستمرارية هي ما يمنح الذاكرة قوّتها، ويحوّل المعنى من احتمال مؤقت إلى حضور ثابت، وحين يُكسَر هذا المسار الزمني، يبقى الفعل الثقافي قائمًا شكليًا، لكنه مُفكَّك الأثر، محاصرًا بالانتظار، ومحرومًا من التحوّل إلى سيادة هادئة في حياة المدينة.
ما تخشاه السلطة الاستعمارية حقًا
يتكشّف، في نهاية هذا المسار، أن الفعل الثقافي في القدس لا يُحاصَر لأنه حدث عابر، بل لأنه يراكم معنى يصعب ضبطه حين يستقرّ في الإيقاع اليومي، من المسرح إلى المكتبة، ومن الورشة إلى اللقاء الفكري، يتكرّر الفعل نفسه عبر اجتماع يُعيد تعريف العلاقة بالمدينة، وذاكرة تتشكّل بهدوء، وزمن يُبنى خارج منطق الإرباك، هنا يتكوّن الخوف الاستعماري من الحقيقة، ليس من نشاط يُلغى أو يُؤجَّل، بل من أن يصبح المعنى عادة، وأن تتحوّل الاستمرارية إلى شكل من أشكال الحضور السيادي، عندها لا تعود القدس لمكانتها المركزية وتتحرر من كونها ساحة أحداث متقطّعة، بل تتحول لمدينة تُدار بالمعنى، وتُقاوِم بالاعتياد، وتفرض وجودها عربياً يمثلها.
Sun 11 Jan 2026 9:55 am - Jerusalem Time
الفعل الثقافي في القدس: الخوفُ من المعنى لا من الحدث (حين يصبح الاعتياد فعلًا سياديًا)
مالك زبلح





Share your opinion
الفعل الثقافي في القدس: الخوفُ من المعنى لا من الحدث (حين يصبح الاعتياد فعلًا سياديًا)