بعد سنوات من العقوبات المشددة والعزلة السياسية، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لإعادة تقييم سياستها تجاه فنزويلا، في إقرار غير معلن بفشل مقاربة "الضغط الأقصى" في تحقيق أهدافها المعلنة. فالدولة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم لم تشهد تغييراً سياسياً، بل خرجت تدريجياً من دائرة النفوذ الأميركي، فيما توسّع الحضور الصيني على حساب واشنطن في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية استراتيجياً بالنسبة للولايات المتحدة.
منذ فرض العقوبات الواسعة على قطاع النفط الفنزويلي، راهنت الإدارات الأميركية المتعاقبة على أن تجفيف الموارد سيؤدي إلى إنهاك النظام ودفعه نحو التنازل أو الانهيار. إلا أن هذه الرهان تجاهل حقيقة أساسية: أن الدول الغنية بالموارد، عندما تُقصى عن الأسواق الغربية، لا تختفي من السوق العالمية، بل تعيد توجيه صادراتها وتبحث عن شركاء بديلين. وهو ما فعلته فنزويلا بالفعل، عبر تحويل الجزء الأكبر من صادراتها النفطية إلى الصين.
بدلاً من حرمان كاراكاس من الإيرادات، أسهمت العقوبات في إعادة رسم خريطة تدفقات النفط العالمية. فقد تحوّل الخام الفنزويلي من الأسواق الأميركية إلى الآسيوية، غالباً عبر قنوات غير شفافة صُممت خصيصاً للالتفاف على القيود. وهكذا، لم تفقد فنزويلا قدرتها على التصدير بالكامل، لكنها فقدت ارتباطها بالغرب، وهو ما قلّص فعلياً قدرة واشنطن على التأثير في أحد أهم ملفات الطاقة في نصف الكرة الغربي.
هذا التحول وضع صانعي القرار الأميركيين أمام معضلة متنامية. فمن جهة، تستمر واشنطن في الدفاع عن العقوبات باعتبارها أداة أخلاقية وسياسية، ومن جهة أخرى، تكشف النتائج العملية عن كلفة استراتيجية مرتفعة. فالضغط الأميركي لم يُضعف النظام بقدر ما فتح الباب أمام الصين لتعزيز نفوذها الاقتصادي في فنزويلا، ومن ثم في أميركا اللاتينية، في لحظة تشهد أصلاً تصاعداً في التنافس بين القوتين.
الصين، التي تعاملت مع فنزويلا ببراغماتية بحتة، استفادت من الفراغ الذي خلّفته الشركات الغربية. فقد ضمنت إمدادات نفطية بأسعار تفضيلية، ووسّعت حضورها في قطاع الطاقة، من دون أن تتحمل عبء إعادة تأهيل شاملة للبنية التحتية أو الانخراط العميق في المشهد السياسي الداخلي. وبهذا المعنى، لم تكن بكين بحاجة إلى تحدي واشنطن مباشرة، إذ تكفّلت السياسة الأميركية نفسها بتهيئة الظروف لتوسّع الدور الصيني.
ورغم أن الولايات المتحدة بدأت أخيراً بإجراء اتصالات هادئة مع كاراكاس، فإن هذه الخطوات تبدو أقرب إلى إدارة الخسائر منها إلى مراجعة إستراتيجية شاملة. فالانفتاح يتم بصمت، وبسقوف منخفضة، وتحت عناوين تقنية مثل استقرار أسواق الطاقة أو إدارة ملف الهجرة، من دون الاعتراف العلني بأن العقوبات فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية.
ويتعقّد المشهد أكثر عند النظر إلى البعد المالي العالمي. صحيح أن سياسة واشنطن تجاه فنزويلا لم تهدد مباشرة قدرة الولايات المتحدة على تمويل ديونها، لكن مصداقية القوة الاقتصادية الأميركية تعتمد أيضاً على فعالية أدواتها. فالعقوبات التي تطول من دون نتائج ملموسة تطرح تساؤلات حول جدواها، وتغذّي السرديات التي تروّج لتراجع النفوذ الأميركي وصعود بدائل غير غربية.
المفارقة أن الصين، التي استفادت من النفط الفنزويلي، هي في الوقت ذاته أحد كبار حاملي الدين الأميركي. هذا التشابك يقيّد خيارات التصعيد، لكنه لا يلغي حقيقة أن السياسات الأميركية تجاه فنزويلا أسهمت، ولو بشكل غير مباشر، في تعزيز موقع خصم استراتيجي في الاقتصاد والسياسة معاً.
داخلياً، يظل هامش المناورة الأميركي محدوداً. فالتراجع العلني عن سياسة العقوبات يواجه معارضة سياسية وإعلامية، ما يدفع الإدارة إلى إدارة الملف من الخلف، من دون خطاب واضح أو رؤية معلنة. والنتيجة هي سياسة رمادية: لا هي ضغط فعّال، ولا هي انخراط منتج.
وتكشف التجربة الفنزويلية خللاً بنيوياً في مقاربة الولايات المتحدة لاستخدام العقوبات كبديل عن الاستراتيجية. فقد تحوّلت العقوبات من أداة ضغط مرحلية إلى سياسة دائمة، تُطبَّق من دون مسار سياسي واضح للخروج منها. وفي حالة فنزويلا، لم تؤدِّ هذه السياسة إلى إضعاف النظام بقدر ما أضعفت النفوذ الأميركي نفسه، ودفعت دولة غنية بالموارد إلى الارتماء في أحضان منافس استراتيجي.
الأخطر من ذلك هو أن واشنطن بدت أسيرة خطابها الخاص، غير قادرة على الاعتراف بأن سياسة صُممت لمعاقبة خصم أفضت عملياً إلى مكافأة الصين. فبدلاً من توظيف الجغرافيا والقرب الاقتصادي لتعزيز النفوذ، سلّمت الولايات المتحدة هذا النفوذ طوعاً، تحت وهم أن العزلة الاقتصادية كفيلة بإنتاج تغيير سياسي.
ما يجري اليوم ليس تحوّلاً في السياسة بقدر ما هو تصحيح متأخر لخطأ استراتيجي. والسؤال لم يعد ما إذا كانت العقوبات أخفقت، بل كم من الوقت ستحتاج واشنطن للاعتراف بأن عالم الطاقة والتجارة لم يعد يُدار من طرف واحد. ففي نظام دولي يتجه نحو التعددية، تصبح العقوبات غير المصحوبة بدبلوماسية فعالة وصفة لتآكل النفوذ، لا لترسيخه





Share your opinion
إخفاق سياسة العقوبات يدفع واشنطن لإعادة النظر بهدوء في نهجها تجاه فنزويلا