منذ السابع من أكتوبر 2023 لم تقتصر حرب الاحتلال الإسرائيلي على القصف والاقتحامات والاعتقالات، بل اتخذت أشكالًا أكثر خبثًا وأقل ضجيجًا، كان من أخطرها استهداف لقمة عيش الفلسطينيين في الضفة الغربية، عبر منع مئات آلاف العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر، في عقاب جماعي واسع النطاق، كشف بوضوح أن المعركة التي يخوضها الاحتلال ليست أمنية ولا ظرفية، بل حرب وجود تستهدف الإنسان الفلسطيني في أساس حياته.
قرار منع العمال لم يكن إجراءً مؤقتًا أو استثنائيًا، بل سياسة مدروسة هدفت إلى خنق المجتمع الفلسطيني اقتصاديًا واجتماعيًا، وضرب أحد آخر مصادر الدخل لعائلات كاملة كانت تعتمد على العمل داخل الارض المحتلة عام 48، ومع غياب البدائل وانهيار الاقتصاد المحلي في الضفة نتيجة الإغلاقات والحواجز والاقتحامات اليومية، تحوّل هذا القرار إلى سلاح فتاك يُمارَس ببطء، لكنه يترك أثرًا تدميريًا عميقًا.
الاحتلال يدرك جيدًا أن استهداف الشباب هو المدخل الأخطر لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني، ولذلك جاءت هذه السياسة لتصنع واقعًا خانقًا، حيث البطالة، وانعدام الأفق، وتراكم الديون، وانهيار القدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة، في محاولة لدفع جيل كامل إلى اليأس، وتحويل الحياة اليومية إلى معركة بقاء لا أكثر، بلا أحلام، بلا مستقبل، وبلا أي شعور بالأمان.
تحت هذا الضغط الممنهج، وجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام خيارات قاسية، فإما الاستسلام للجوع والفقر، أو المخاطرة بالحياة عبر التسلل إلى الداخل المحتل بحثًا عن عمل، في ظل ملاحقة مستمرة وإطلاق نار واعتقالات، وقد دفع كثيرون حياتهم ثمنًا لهذه المخاطرة، ليس لأنهم مجرمون أو مخالفون، بل لأنهم آباء وأبناء يبحثون عن لقمة خبز في واقع صممه الاحتلال ليكون قاتلًا.
هنا تتكشف حقيقة المعادلة التي يفرضها الاحتلال على الفلسطيني، إمّا الموت البطيء عبر التجويع والتهميش، أو الموت السريع برصاص الجنود، وإمّا الفقر الدائم الذي يسحق الكرامة، أو التهجير القسري الذي يُقدَّم كخيار وحيد للنجاة، في سياسة لا تختلف في جوهرها عن النكبة، لكنها تُمارَس بأدوات اقتصادية واجتماعية بدل الدبابات.
هذه الحرب الصامتة تهدف إلى تفريغ الأرض من أهلها دون أن تتحمل إسرائيل كلفة صورة المجازر، فهي تراهن على الانهيار الداخلي، وعلى دفع الفلسطيني إلى كسر نفسه بنفسه، عبر تدمير شروط الحياة الأساسية، وتحويل الصمود إلى عبء، والبقاء إلى معاناة مستمرة، في مشروع استعماري يعرف أن قتل الأمل لا يقل فاعلية عن قتل الأجساد.
لكن رغم ذلك، تكشف هذه السياسات حجم مأزق الاحتلال، فالشعب الذي يُحاصَر في رزقه كما يُحاصَر في أرضه، ولا يزال متمسكًا بالبقاء، هو شعب لم يُهزم، وكل محاولة لفرض معادلة الجوع أو التهجير إنما تعكس فشل الاحتلال في كسر الإرادة الفلسطينية، مهما بلغت قسوة الأدوات.
Wed 24 Dec 2025 11:17 am - Jerusalem Time
عمال الضفة بين الجوع والرصاص: عقاب الاحتلال لكسر الإنسان وتفريغ الأرض
بقلم إسماعيل جمعة الريماوي





Share your opinion
عمال الضفة بين الجوع والرصاص: عقاب الاحتلال لكسر الإنسان وتفريغ الأرض