في مشهد يعكس تصدّعات عميقة داخل اليمين الأميركي، تحوّلت فعاليات مؤتمر محافظين رئيسي في الولايات المتحدة إلى ساحة اشتباك سياسي وإعلامي مفتوح، بعدما تصاعدت الانتقادات العلنية لسياسات "إسرائيل أولاً" من داخل حركة "اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (ماغا). المؤتمر، الذي تنظمه منظمة "تيرنينغ بوينت يو إس إيه" اليمينية هذا الأسبوع في فينيكس بولاية أريزونا تحت عنوان "أميركا أولاً"، بدا أقرب إلى محاكمة داخلية للخطاب المحافظ السائد منه إلى تظاهرة وحدة حزبية.
ويأتي هذا التجمع، وهو الأول من نوعه منذ مقتل مؤسس المنظمة تشارلي كيرك في شهر أيلول الماضي، في لحظة سياسية حساسة تتزايد فيها الخلافات داخل اليمين الأميركي حول حدود الدعم غير المشروط لإسرائيل، ودور هذا الدعم في رسم أولويات السياسة الخارجية والداخلية للولايات المتحدة. ما كان يُدار همسًا في كواليس الإعلام المحافظ، انفجر هذه المرة على المنصة، وأمام جمهور واسع.
الشرارة الأوضح تمثّلت في المواجهة الكلامية بين بن شابيرو، أحد أبرز الأصوات الإعلامية اليمينية المؤيدة لإسرائيل، وتاكر كارلسون، المذيع السابق في "فوكس نيوز" وصاحب خطاب شعبوي متصاعد. شابيرو شن هجومًا لاذعًا على كارلسون بسبب مقابلته مع المؤثر اليميني نيك فوينتيس، المعروف بمواقفه العدائية تجاه إسرائيل، واصفًا الخطوة بأنها "حماقة أخلاقية"، ومتهمًا فوينتيس بالنازية ومعاداة أميركا. في المقابل، لم يتراجع كارلسون، بل استثمر الهجوم ليقدّم نفسه مدافعًا عن حرية النقاش داخل المعسكر المحافظ.
وفي كلمته، حاول كارلسون نقل الجدل من شخصنة الاتهامات إلى سؤال أوسع حول حدود النقد المشروع لإسرائيل، محذرًا مما وصفه بثقافة إسكات أي صوت مخالف عبر تهمة "معاداة السامية". وأكد أن الأميركيين، بغض النظر عن انتماءاتهم، قادرون على خوض نقاش "حسن النية" حول السياسات الخارجية دون تخوين جماعي. هذا الطرح، وإن بدا تصالحيًا في لغته، حمل في جوهره تحديًا مباشرًا للتيار الذي يربط بين الهوية المحافظة والدفاع المطلق عن إسرائيل.
وتصاعدت حدّة الخطاب عندما انتقد كارلسون الحرب الإسرائيلية على غزة اتسمت بلغة أخلاقية صريحة، معتبرًا أن قتل المدنيين، أيا كان مكانه، لا يمكن تبريره. كما رفض التعصب ضد المسلمين داخل الخطاب السياسي الأميركي، واعتبره جزءًا من إستراتيجية أوسع لتقسيم المجتمع وإشغاله بصراعات هوياتية "زائفة" بينما تُستنزف الموارد العامة. هذا الربط بين السياسة الخارجية والانقسام الداخلي أصاب عصبًا حساسًا لدى جمهور المؤتمر.
غير أن أكثر اللحظات إثارة للجدل جاءت من ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي صبّ الزيت على النار بتصريحات هجومية ضد بن شابيرو، وبتلميحات خطيرة عن "أعداء داخليين" داخل الولايات المتحدة. لغة بانون، التي استدعت تصفيقًا حماسيًا من بعض الحضور، كشفت الوجه الأكثر راديكالية للانقسام: انتقال الخلاف من نقاش سياسي إلى خطاب إقصائي يلامس حدود التحريض.
في خضم هذا التوتر، أقرت شخصيات مثل الإعلامية البارزة، ميغان كيلي بوجود انقسام حقيقي داخل حركة ماغا "حتى قبل رحيل تشارلي كيرك"، مؤكدة أن إسرائيل باتت محور هذا الانقسام. في الوقت ذاته، حاولت قيادة "تيرنينغ بوينت" الجديدة، ممثلة بإيريكا كيرك (زوجة تشارلي كيرك)، إعادة توجيه البوصلة عبر إعلان دعمها المبكر لنائب الرئيس جي دي فانس لسباق 2028، في مسعى واضح لرأب الصدع وإعادة ترتيب الأولويات.
إن ما جرى في فينيكس لا يمكن قراءته كخلاف عابر بين شخصيات إعلامية، بل كعلامة على تحوّل أعمق داخل اليمين الأميركي. فجيل جديد من المحافظين بات ينظر إلى الدعم غير المشروط لإسرائيل بوصفه عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا مسلّمة أيديولوجية. هذا التحول يعكس إرهاقًا من الحروب الخارجية، ورغبة في إعادة تعريف "أميركا أولاً" بمعزل عن التزامات تاريخية لم تعد تحظى بإجماع القاعدة الشعبية.
في المقابل، يكشف الخطاب المتشنج لبعض القيادات عن مأزق اليمين التقليدي، العاجز عن إدارة الاختلاف دون الانزلاق إلى التخوين. استخدام تهم ثقيلة لإسكات النقاش لا يعزز وحدة الصف، بل يسرّع تفككه. وإذا استمر هذا المسار، فإن إسرائيل قد تتحول من عنصر توحيد داخل السياسة الأميركية إلى عامل استقطاب داخلي حاد، يعيد رسم التحالفات ويغيّر قواعد اللعبة الانتخابية في السنوات المقبلة.





Share your opinion
إسرائيل تشقّ صفوف اليمين الأميركي