أعاد اجتماع ميامي، الذي ضمّ وسطاء الهدنة الهشة في غزة، تعويم خطة السلام التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون أن يقدّم ما يبدّد الشكوك حول قابليتها للتنفيذ. فالبيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا بدا أقرب إلى بيان علاقات عامة، يكرّر عناوين عامة عن "الدعم" و"ضبط النفس"، من دون أي التزام عملي أو جدول زمني واضح، في وقت يتآكل فيه وقف إطلاق النار تحت وطأة الانتهاكات اليومية.
اللافت أن المصدر المطلع على الاجتماع أقرّ بعدم إحراز أي تقدّم يتجاوز الهدنة الحالية. وهذا الاعتراف يكشف الفجوة بين الخطاب الأميركي المتفائل والواقع الميداني القاتم، حيث تُدار "العملية السياسية" كملف تقني معزول عن جوهر الصراع: الاحتلال، والحصار، وغياب المساءلة. فالوسطاء يطالبون الطرفين بالالتزام، لكنهم يتجنبون تسمية الطرف الأكثر قدرة على التعطيل، أي إسرائيل، المدعومة سياسياً وعسكرياً من واشنطن.
الدعوة إلى إنشاء "مجلس سلام" وتشكيل حكومة تكنوقراطية لإدارة غزة بعد الحرب تبدو، في هذا السياق، محاولة لإعادة هندسة الحكم الفلسطيني من الخارج، من دون معالجة شروط السيادة أو إنهاء السيطرة الإسرائيلية. فكيف يمكن لحكومة "تكنوقراط" أن تعمل في قطاع تتحكم إسرائيل بمعابره وأجوائه وبحره، وترفض حتى فتح معبر رفح بشكل كامل؟ هذه المقاربات تُفرغ فكرة الحكم من مضمونها، وتحولها إلى إدارة أزمة لا أكثر.
وشارك في اجتماع ميامي المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء القطري محمد عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان. ورغم ثقل الحضور، بقيت النتائج هزيلة. إذ إن الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، بحسب المصدر، يتطلب "تنازلات" من إسرائيل وحماس بشأن انسحاب الجيش الإسرائيلي ونزع السلاح. غير أن وضع هذين الملفين على قدم المساواة يتجاهل حقيقة أن الانسحاب واجب قانوني على قوة احتلال، بينما نزع السلاح يُطرح كشرط سياسي يُستخدم لإدامة السيطرة.
عملياً، لم توقّع إسرائيل وحماس على المرحلة الثانية. وبينما تُتَّهم الأطراف بانتهاك المرحلة الأولى، تبرز وقائع دامغة: إسرائيل تواصل إغلاق رفح، وترد على أي احتكاك بضربات جوية، فيما تشير وزارة الصحة في غزة إلى مقتل نحو 400 فلسطيني منذ بدء الهدنة. في المقابل، قُتل ثلاثة جنود إسرائيليين، وتُستثمر هذه الحوادث لتبرير تصعيد محسوب يبقي غزة تحت الضغط العسكري.
المرحلة الثانية، كما تُسوَّق أميركياً، تتضمن نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار مع انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي، ونزع سلاح حماس. لكن واشنطن نفسها تعترف بصعوبة تجنيد دول لهذه القوة، في ظل غموض الضمانات، ورفض إسرائيل التخلي عن "سيطرتها الأمنية". هكذا تتحول الخطة إلى حلقة مفرغة: شروط غير متحققة تُستخدم ذريعة لتأجيل الانسحاب، فيما يُطلب من الفلسطينيين القبول بترتيبات انتقالية بلا سيادة.
ورغم إصرار الوسطاء على أن المرحلة الأولى "حققت تقدماً"، فإن هذا التوصيف يتجاهل الكلفة الإنسانية واستمرار منطق الإكراه. فالتوسع المحدود للمساعدات لا يعوّض سياسة التجويع السابقة، وإعادة جثث رهائن لا توازي حماية المدنيين، والانسحاب الجزئي لا يرقى إلى إنهاء الاحتلال. أما الحديث عن "التكامل الإقليمي" والتعاون في الطاقة والمياه، فيبدو سابقاً لأوانه، بل منفصلاً عن واقع الدمار الشامل.
تكشف خطة ترمب لغزة استمرار النهج الأميركي القائم على إدارة الصراع لا حله. فهي تفترض إمكانية فرض ترتيبات أمنية وحكومية من دون معالجة أصل المشكلة: الاحتلال الإسرائيلي. هذا القصور ليس تقنياً بل سياسي، إذ تُمنح إسرائيل هامش التعطيل الكامل، بينما يُطلب من الفلسطينيين تقديم “تنازلات” وجودية. النتيجة المتوقعة هي هدنة هشة تُستأنف بعدها دورة العنف، مع تحميل الضحية مسؤولية الفشل.
ويحول الإصرار على نزع سلاح غزة في ظل بقاء الاحتلال، السلام إلى أداة إخضاع. فالتجارب المقارنة تُظهر أن نزع السلاح يأتي نتيجة تسوية عادلة وضمانات سيادية، لا شرطاً مسبقاً لها. ويعكس تجاهل هذا التسلسل المنطقي انحيازاً بنيوياً في الوساطة الأميركية، ويقوّض أي ثقة فلسطينية بعملية سياسية تُدار بعقلية أمنية إسرائيلية بحسب الخبراء.
والأخطر، هو أن خطاب "لتكنوقراط" و"مجالس السلام" يُستخدم لتجاوز التمثيل السياسي الفلسطيني، وإعادة إنتاج وصاية خارجية على غزة. ويعتقد الخبراء أنه من دون وحدة فلسطينية حقيقية، ومرجعية سيادية واضحة، ستبقى هذه الصيغ حبراً على ورق. السلام المستدام لا يُبنى ببيانات مقتضبة واجتماعات مغلقة، بل بإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وإخضاع الجميع للمساءلة الدولية.
Sun 21 Dec 2025 9:36 am - Jerusalem Time
خطة ترمب لغزة تصطدم بتعطيل إسرائيلي وانحياز أميركي
واشنطن- "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات





Share your opinion
خطة ترمب لغزة تصطدم بتعطيل إسرائيلي وانحياز أميركي