في التجارب الدولية، لا تنتشر قوات السلام إلا بعد أن يسبقها قرار سياسي دولي واضح بإنهاء صراع او تجميده ضمن تسوية محددة المعالم، ووظيفتها تثبيت ما تم الاتفاق عليه، لا التغطية على غياب الحل أو إدارة الفشل السياسي، أما في الحالة الفلسطينية، فيجري قلب هذه القاعدة رأسا على عقب، فالنقاش يتم بينما الاحتلال قائم، وعدوانه مستمر، وتنكره لقرارات الشرعية الدولية ليس استثناء، بل سياسة ثابتة، هنا لا يوجد سلام ليُحفظ، ولا تسوية لتثبت، بل محاولة لإعادة هندسة السيطرة بأسلوب "أجمل" واقل كلفة.
شروط المشاركة التي تسربت عن لقاء الدوحة تكشف جوهر المشروع، دول تعلن استعدادها للمشاركة بشرط البقاء في مناطق يسيطر عليها الاحتلال، وبهذا الشرط وحده، تسقط مزاعم الحياد، فالقوة المقترحة لا تفصل بين قوة قائمة بالاحتلال وسكان خاضعين لها، بل تتحرك داخل مساحة يرسمها الاحتلال، وبالقواعد التي تريحه، ما يجعلها قوة ضبط، وظيفتها تنظيم الواقع تحت السيطرة لا تغييره.
هذا يفسر بوضوح لماذا جرى استبعاد خيار القبعات الزرق، وهي التي تحتاج تفويضا أمميا صريحا، وسلسلة مساءلة، وصلاحيات، وهو ما يرفضه الاحتلال وحلفاؤه قطعيا، لان وجودهم يعني اعترافا لا لبس فيه بان ما يجري في غزة هو حالة احتلال تخضع للقانون الدولي، لا كما يتم تصويرها على انها أزمة أمنية او ملف إنساني، لذلك جرى الالتفاف على الأمم المتحدة بقوة متعددة الجنسيات منزوعة السيادة، مرنة سياسيا، ضعيفة قانونيا، وقابلة للتطويع والإدارة.
غياب عدد كبير من الدول عن هذه الترتيبات، أوروبية وآسيوية، ليس تفصيلا دبلوماسيا، بل مؤشر على ادراك متزايد بان المطلوب ليس حفظ سلام بل المشاركة في ادامة الاحتلال، فكل الاسئلة حول التفويض، والصلاحيات، ومن يملك القرار عند التعارض بقيت بلا اجابات، لان الاجابة الحقيقية محرجة، فالقرار بيد الاحتلال، والقوة مدعوة للعمل تحت سقفه، وفي الاتجاه نفسه، يكشف استبعاد تركيا ان التعددية المعلنة ديكور سياسي، وان الفيتو الاسرائيلي هو معيار القبول والاقصاء.
الوظيفة المتوقعة لهذه القوة لا تتجاوز حفظ النظام، توزيع المساعدات، وربما التنسيق الأمني مع الاحتلال او مع جماعات تعمل تحت رعايته، خصوصا في جنوب القطاع، وهذا ليس نموذجا جديدا، بل اعادة انتاج لوصفة قديمة ومطبقة، نقل اعباء السيطرة من القوة المحتلة الى قوة أخرى، وتحويل الملف الانساني الى اداة ضبط، فالاستقرار لا يعني امن ولا عدالة، بل منع الانفجار، وشراء الوقت، وتهدئة الضغوط الدولية.
في هذا السياق، تتحرك السلطة بحثا عن موطئ قدم، قبل ان ينفض الجمع، وتطير الطيور بأرزاقها، وقبل ان تفرض ترتيبات ما بعد الحرب دون حضور فلسطيني سياسي، والنقاش حول الدور المحتمل للسلطة يحرك قطريا، في محاولة من الدوحة لإعادة السلطة الى معادلة يجري تفريغها عمدا من ابعادها السياسية، غير ان ما يعرض ليس دورا سياديا، بل وظيفة إدارية، خدمية، تحت سقف محدود، او سلطة بلا سلطة، وعودة مشروطة لا تعالج جذور الازمة، ولا تعيد توحيد الجغرافيا.
المخاطر المقبلة ليست نظرية، وربما تجد القوة نفسها، عاجلا او اجلا، امام خروقات اسرائيلية لا تملك وقفها ولا ردعها او مساءلتها، اما بالنسبة للسلطة، فان دخولها في ترتيبات ناقصة السيادة سيحمل كلفة سياسية فادحة، ويضعها في مواجهة مجتمع أنهكته الحرب، دون ان يعيد لها دورها الذي تتطلع اليه.
بالتالي، فان نشر قوات استقرار في غزة قبل وجود ارادة دولية حقيقية لإنهاء الاحتلال ليس حلا، بل تواطؤ مقنّع، فالاستقرار لا يفرض بقوة تعمل تحت سقف المحتل، ولا يستدام حين يبقى فوق القانون، ودون ربط اي وجود دولي بإنهاء الاحتلال والسيطرة العسكرية، ستبقى هذه القوة بحاجة الى استقرارها اولا، بينما يبقى الفلسطينيون موضوعا للإدارة، لا أصحاب قضية وحق.
Thu 18 Dec 2025 10:06 am - Jerusalem Time
قوة الاستقرار بلا استقرار
أمين الحاج





Share your opinion
قوة الاستقرار بلا استقرار