كشفت تقارير اقتصادية عالمية حديثة عن تمكن الصين من تحقيق إنجاز اقتصادي غير مسبوق، بتسجيلها فائضاً تجارياً قياسياً لامس عتبة التريليون دولار خلال عام 2025. ويأتي هذا الرقم الضخم في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي اضطرابات واسعة ناجمة عن حرب الرسوم الجمركية المتبادلة بين بكين وواشنطن، وما رافقها من توترات جيوسياسية ألقت بظلالها على حركة التجارة الدولية.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن نجاح الصين في تحقيق هذا الفائض التاريخي، رغم تصاعد الضغوط الأمريكية والعقوبات التجارية، يعد دليلاً دامغاً على صلابة اقتصادها كقوة تجارية عظمى يصعب كبح جماحها. ويشير المحللون إلى أن بكين نجحت ببراعة في إعادة توجيه بوصلتها التجارية نحو أسواق بديلة وناشئة لتعويض أي نقص قد يطرأ في أسواقها التقليدية.
وتوضح البيانات المالية أن الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة قد شهد تراجعاً بما يزيد عن 100 مليار دولار مقارنة بالعام الماضي، إلا أن هذا الانخفاض قابله ارتفاع لافت في الصادرات نحو أسواق أخرى تمتد من دول جنوب شرق آسيا وصولاً إلى القارة الأوروبية. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية عن تسجيل فائض قياسي في ميزان تجارة السلع بلغ 1.08 تريليون دولار حتى شهر نوفمبر/تشرين الثاني، مدفوعاً بصادرات إجمالية بلغت قيمتها 3.41 تريليون دولار.
وفي سياق ردود الفعل الدولية، أطلقت كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، تحذيرات صريحة بشأن ما وصفته بوجود "اختلالات" جوهرية في العلاقات التجارية للصين مع العالم، وهو التوصيف ذاته الذي تبناه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً، معتبراً أن الوضع الراهن أصبح "غير محتمل" بالنسبة للاقتصادات الغربية التي تعاني من عجز تجاري متفاقم مع بكين.
ويعزو الخبراء هذا التفوق التجاري الكاسح إلى تقدم الصين الملحوظ في سلاسل القيمة الصناعية، لا سيما في قطاع صناعة السيارات الذي شهد قفزات نوعية، إلى جانب هيمنتها الراسخة في قطاعات التكنولوجيا كالهواتف الذكية والحواسيب، فضلاً عن السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، يحذر التقرير من أن هذه الأرقام البراقة تخفي وراءها تحديات داخلية، تتمثل في ضعف ثقة المستهلك الصيني وانكماش الأسعار محلياً، مما يضع ضغوطاً على صناع القرار في بكين.
على الأمد القريب، أعتقد أن الفائض التجاري سيستمر في النمو. إنها مشكلة لن تختفي في وقت قريب.
ويبرز نمو الصادرات الصينية نحو دول جنوب شرق آسيا كأحد أهم التحولات في المشهد الاقتصادي العالمي الجديد، حيث سجلت الصين فائضاً تجارياً مع هذه المنطقة بلغ 245 مليار دولار في الأشهر الـ11 الأولى من العام، متجاوزاً بذلك إجمالي الفائض المسجل في عام 2024 كاملاً. ويقود هذا النمو ارتفاع الصادرات لدول مثل فيتنام وتايلند وماليزيا.
كما تظهر الإحصائيات توسعاً صينياً ملحوظاً في القارة الأفريقية، حيث ارتفع الفائض التجاري مع دول القارة بمقدار 27 مليار دولار، مدفوعاً بزيادة الصادرات إلى دول مثل مصر ونيجيريا، بالإضافة إلى مبيعات السفن. كذلك، سجل الفائض مع الاتحاد الأوروبي زيادة بنحو 20 مليار دولار، ومع دول أمريكا اللاتينية بـ9 مليارات دولار.
وشكل قطاع السيارات "الحصان الأسود" في هذا السباق الاقتصادي، حيث سجل أكبر زيادة في الفائض التجاري، مرتفعاً بمقدار 22 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025، ليصل الإجمالي إلى 66 مليار دولار. ويعد هذا تحولاً استثنائياً لدولة كانت تسجل عجزاً في تجارة السيارات قبل سنوات قليلة فقط. كما حققت الصين فائضاً عالمياً في تجارة البطاريات بقيمة 64 مليار دولار، مستفيدة من ريادتها المطلقة في مجال المركبات الكهربائية.
ولا تزال الصين تشكل قاعدة تصنيع حيوية للشركات العالمية متعددة الجنسيات، حيث أظهرت بيانات الجمارك أن صادرات الشركات ذات الاستثمار الأجنبي بلغت 837 مليار دولار، أي ما يزيد عن ربع إجمالي الصادرات. كما ساهمت منصات التجارة الإلكترونية التي تعتمد نموذج الطرود منخفضة القيمة في إضافة 22 مليار دولار للفائض التجاري، متحدية بذلك القيود الغربية.
وفي الختام، يشير الاقتصاديون إلى أن انخفاض الأسعار محلياً في الصين يمنح منتجاتها ميزة تنافسية هائلة في الأسواق العالمية، حيث يساعد فارق التضخم في خفض تكاليف الإنتاج مقارنة بالمنافسين. وفي المقابل، تراجعت الواردات الصينية إلى 2.3 تريليون دولار، حيث تتركز وارداتها بشكل أساسي على المواد الخام الاستراتيجية وأشباه الموصلات.





Share your opinion
"التنين الصيني" يكسر حاجز التريليون دولار ويهزم العقوبات الأمريكية بفائض تجاري تاريخي