في لحظة تأمل صباحية هادئة، وبينما كنت أتلو آيات من سورة النمل بصحبة ابني، استوقفتني تلك المشاهد العظيمة التي تروي قصص الأنبياء السابقين؛ سليمان عليه السلام الذي فقه منطق الطير والحيوان، وموسى وعصاه التي شقت البحر، وعيسى الذي أحيا الموتى بإذن الله. إنها سلسلة طويلة من الخوارق المادية المحسوسة التي كانت ترافق الرسل لتأييدهم. لكن، عند النظر في سيرة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخ الوحي بعده، نلحظ تحولاً جذرياً في هذا المسار الإلهي، حيث توقفت تلك المعجزات الكونية المزلزلة التي كانت تأتي لتحسم الجدل فوراً بين التصديق والتكذيب بشكل حسي لا يقبل الشك.
هذا التغير الجوهري في النمط الكوني يطرح تساؤلاً ملحاً: لماذا غابت المعجزات الحسية المباشرة واختفى نمطها تماماً مع البعثة المحمدية؟ الإجابة تكمن في جوهر الآية الكريمة من سورة الإسراء: "وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ.. وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفا". ومن خلال تدبر هذه المعاني والحوار الذي دار مع ابني، تكشفت لي أبعاد عميقة حول الحكمة الإلهية من هذا التوقف، والتي يمكن تلخيصها في عدة نقاط جوهرية تعكس عظمة الرسالة الخاتمة.
أولاً، يأتي هذا التوقف تجسيداً لمفهوم الرحمة للعالمين؛ فقد كانت المعجزات المادية في الأمم السابقة غالباً ما تمثل الفرصة الأخيرة والنذير النهائي قبل حلول العذاب الشامل في حال التكذيب. فقد أهلك الله قوم ثمود وعاد وقوم لوط بعد أن كذبوا بآياتهم الحسية، فكان القانون الإلهي يقضي بإنزال الآية ثم العذاب الماحق للمكذبين. ولكن، بما أن الله أرسل محمداً رحمة للعالمين، فقد اقتضت هذه الرحمة رفع سنة الاستئصال والعذاب الدنيوي العام، وتأجيل الحساب إلى الدار الآخرة، ولو استمرت المعجزات الحسية وكذب بها الناس لوجب عذابهم، فكان رفعها رحمة بهم وحكمة بالغة.
ثانياً، أثبت التاريخ البشري عدم جدوى المعجزات مع القلوب الجاحدة؛ إذ يخبرنا سجل الإنسانية أن المعاندين لم يكونوا ليؤمنوا حتى مع رؤية الخوارق، بل كانت تلك المعجزات تزيدهم طغياناً وكفراً، وتصبح حجة عليهم لا لهم، كما قال العلماء إنها تكون "وبالاً عليهم". المعجزة المادية قد تدهش البصر وتثير الرعب، لكنها لا تضمن صلاح القلب أو استقامة النفس. لذا جاء الإسلام بمنهج مغاير لا يعتمد على إجبار الناس عبر الخوارق، بل دعوتهم للإيمان عبر التفكر والاختيار الحر، فالكلمة التي يخضع لها العقل أعمق أثراً من المعجزة التي تبهر العين لحظياً.
المعجزة المادية قد تدهش البصر وتثير الرعب، لكنها لا تضمن صلاح القلب، لذا جاء الإسلام بمنهج يخاطب العقل والفطرة بدلاً من الإكراه بالخوارق.
ثالثاً، تبرز هنا خلود المعجزة العقلية المتمثلة في القرآن الكريم؛ فالمعجزات الحسية هي أحداث وقتية يراها جيل محدد ثم تتحول إلى رواية تاريخية تتناقلها الأجيال. أما القرآن الكريم فهو معجزة عقلية حية، متجددة، وعابرة للأزمان. إنه ليس مجرد خرق للعادة، بل منظومة متكاملة من الإعجاز البياني، والتشريعي، والعلمي، والروحي. هو المعجزة الوحيدة القابلة للاكتشاف والتذوق من قبل كل إنسان في كل عصر، عالماً كان أم بسيطاً. لذلك، لم تعد البشرية بحاجة لمعجزات تظهر وتختفي، ما دام بين أيديها كتاب لا يبلى ولا تنقضي عجائبه، صالح لكل زمان ومكان.
رابعاً، يعكس هذا التحول نضج العقل البشري والاستعداد للإقناع؛ فمن لطائف الحكمة الإلهية أن بعثة النبي الخاتم تزامنت مع وصول البشرية إلى مرحلة من الرشد العقلي تؤهلها للتعامل مع خطاب الوحي بالفهم والتدبر، بدلاً من الانبهار بالخوارق المادية أو الخوف من العذاب. لقد انتهت مرحلة "الطفولة البشرية" التي كانت تتطلب أدلة مادية قاهرة، وبدأ عصر الحوار والفطرة السليمة. لم يعد الإنسان بحاجة لناقة تخرج من صخرة ليؤمن، بل بات بحاجة لمنهج يخاطب عقله، ويسمو بروحه، ويصلح قلبه قبل جسده.
خامساً، اقتضت المشيئة الإلهية إطلاق حرية الإنسان في عمارة الأرض وصناعة مستقبله؛ ففي العهد الجديد للرسالة الخاتمة، تُرِك المجال للإنسان ليختار طريقه، ويعمل، ويجتهد، ويتحاور، دون تدخلات قسرية عبر الخوارق لفرض الإيمان. لقد وضع الله البشر أمام مسؤولية الاختيار: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ". فمن أحسن عملاً وجد التوفيق والنصر والرعاية الربانية، ومن أساء فقد أُجل حسابه. إنها سنة التدافع والإقناع بدلاً من الإكراه، وسنة العمل والبناء بدلاً من انتظار المعجزات الخارقة.
ختاماً، يمكن القول إن انقطاع المعجزات الحسية ليس نقصاً في زمن الرسالة المحمدية، بل هو في حقيقته تكريم للإنسان وإعلاء لشأنه، وارتقاء بالخطاب الإلهي. لقد أراد الله للبشرية أن تنتقل من مرحلة الانقياد القسري تحت وطأة الخوف والمعجزات القاهرة، إلى مرحلة الإيمان الطوعي المبني على القناعة واليقين. إنه الانتقال من عصر الصواعق التي تهدم، إلى عصر الكلمات التي تبني العقول وتحيي القلوب، ليكون الإيمان نابعاً من حرية الاختيار وكمال العقل.





Share your opinion
لماذا توقفت المعجزات الحسية بعد بعثة النبي الخاتم؟.. قراءة في حكمة التحول من الإبصار إلى البصيرة