Fri 12 Dec 2025 5:50 pm - Jerusalem Time

تحليل فريدمان: استراتيجية الأمن القومي لترامب تعكس حربًا حضارية لا صراعًا باردًا

قدم الكاتب السياسي الأمريكي توماس فريدمان تحليلًا معمقًا لاستراتيجية الأمن القومي التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا، مشيرًا إلى أنها تكشف عن تحول جوهري في فهم إدارة ترامب لموقع الولايات المتحدة في العالم ودورها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

افتتح فريدمان مقاله في صحيفة نيويورك تايمز بالتأكيد على أهمية ملاحظة التغيرات غير المألوفة، مشيرًا إلى أنه يجب على الصحافة تسجيل الملاحظات عند رؤية أمور غير معتادة، لأن ذلك يدل على تحولات كبيرة قد لا تكون مفهومة بعد، ولكنها تستحق الدراسة والتحليل.

أشار فريدمان إلى أن استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، المكونة من 33 صفحة، تذكره بهذه القاعدة، وأضاف أنه في الوقت الذي تشتد فيه المنافسة الجيوسياسية مع روسيا والصين إلى مستويات لم نشهدها منذ الحرب الباردة، ومع التقارب المتزايد بين موسكو وبكين ضد واشنطن، فإن هذه الاستراتيجية بالكاد تذكر هذين الخصمين.

بينما يستعرض المقال المصالح الأميركية حول العالم، يؤكد فريدمان أن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو الطريقة التي يتحدث بها ترامب عن الأوروبيين والاتحاد الأوروبي، الحلفاء التقليديين لأمريكا.

أوضح فريدمان أن ترامب ينتقد بعض الممارسات الديمقراطية الأوروبية التي يرى أنها تقوض الحرية السياسية والسيادة، بما في ذلك سياسات الهجرة التي تغير التركيبة السكانية للقارة وتخلق الصراعات، بالإضافة إلى انخفاض معدلات المواليد وفقدان الهويات الوطنية.

يشير فريدمان إلى أن تقرير استراتيجية الأمن القومي يحذر من أنه "إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يكون للقارة الأوروبية شكلها المعروف خلال 20 عامًا أو أقل".

تضمنت الاستراتيجية أيضًا تحذيرًا بأنه ما لم تنتخب الدول الأوروبية أحزابًا قومية "أكثر وطنية" ملتزمة بكبح الهجرة، فإن أوروبا ستواجه "محوًا حضاريًا".

يرى فريدمان أن الرسالة الضمنية هنا هي أن إدارة ترامب تقيم تحالفاتها ليس على أساس الديمقراطية أو القيم المشتركة، بل على أساس مدى التزام الدول بوقف الهجرة، وخاصة من الدول الإسلامية.

يعتقد فريدمان أن هذا التحول يعكس حقيقة أساسية، وهي أن الإدارة الحالية لا تسعى لخوض حرب باردة جديدة، بل تريد "حربًا حضارية جديدة" تدور حول مفهوم الوطن والهوية الثقافية والدينية.

يضع الكاتب هذا كله في سياق ما يسميه "الحرب الأهلية الأمريكية الثالثة"، وهو صراع اجتماعي وثقافي عميق يدور داخل الولايات المتحدة حول الهوية والانتماء والحدود الثقافية والديموغرافية، وشعور ملايين الأميركيين بأنهم "بلا وطن نفسي" في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية.

يعزو فريدمان جزءًا كبيرًا من تصاعد التوترات إلى الارتفاع التاريخي في أعداد المهاجرين حول العالم، وإلى التحولات الديموغرافية داخل الولايات المتحدة، وخاصة تضاؤل نسبة البيض ذوي الخلفية المسيحية مقارنة بالمجموعات الأخرى.

تظهر هذه المخاوف في خطاب ترامب منذ حملته الأولى، عندما جعل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك رمزًا يعكس وظيفة مزدوجة: حاجز مادي لمنع الهجرة، وحاجز نفسي وثقافي ضد التغييرات الاجتماعية المتسارعة.

يصف المقال لغة تقرير الاستراتيجية بأنها لا تشبه أي دراسة سابقة للأمن القومي الأميركي، معربًا عن اعتقاده بأنها تكشف حقيقة عميقة عن إدارة ترامب الثانية، وهي أنها وصلت إلى السلطة لخوض الحرب الأهلية الأميركية الثالثة، وليس لخوض الحرب الباردة الجديدة للغرب.

يمضي الكاتب ليشير إلى أن جزءًا من اليمين الأميركي بات يرى في روسيا -وليس أوروبا- الحليف المرجح، لأنها تمثل في نظرهم معقلًا للقيم التقليدية والقومية البيضاء والمسيحية.

يستشهد فريدمان بآراء كتاب يوضحون كيف تخلت شخصيات بارزة في حركة "ماغا" الموالية لترامب عن أوروبا لأنها لم تعد، في تصورهم، "القارة المتجانسة البيضاء" التي كانت تمثلها مخيلتهم.

يخلص فريدمان إلى أن استراتيجية الأمن القومي ليست وثيقة عابرة أو نتاج عدد من المتشددين داخل الإدارة، بل هي مفتاح لفهم ما يحرك إدارة ترامب الثانية، القائمة على تصور حضاري للعالم يجعل الهجرة -لا الصين وروسيا- الخطر الأكبر، ويجعل حماية الهوية الثقافية والدينية محور الأمن القومي.

يؤكد فريدمان أن ورقة استراتيجية ترامب للأمن القومي ليست مجرد صدفة أو عمل قلة من الأيديولوجيين، بل هي بمثابة حجر رشيد يفسر الدوافع الحقيقية لهذه الإدارة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

Tags

Share your opinion

تحليل فريدمان: استراتيجية الأمن القومي لترامب تعكس حربًا حضارية لا صراعًا باردًا

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.