Fri 12 Dec 2025 9:43 am - Jerusalem Time

الأقليات المسيحية في لبنان: اللاتين والآشوريون والكلدان.. تاريخ وتحديات

يشبه لبنان متحفاً حيّاً للطوائف، ولوحة فسيفسائية مذهبية فريدة في محيطه العربي. يتميز تاريخ لبنان بالتداخل العميق بين الدين والسياسة، والصراعات المستمرة على النفوذ والحفاظ على الهوية، مما جعله حالة فريدة في منطقة الشرق الأوسط. يختزن هذا البلد الصغير تنوعاً مذهلاً من الطوائف والمذاهب، بعضها بقي مجهولاً للكثيرين، لكنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي والثقافي والتاريخي.

في سلسلة مقالات بعنوان "لبنان متحف طوائف الشرق الأوسط"، يتم تخصيص هذه الحلقة للأقليات المسيحية في لبنان: اللاتين والآشوريين والكلدان. تهدف هذه السلسلة إلى إلقاء الضوء على هذه الجماعات، واستكشاف خصائصها وتاريخها وتراثها، والتعرف إلى الدور الذي لعبته وتلعبه اليوم في الواقع اللبناني، بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.

تُشكل طوائف اللاتين والآشوريين والكلدان جزءًا هامًا من الفسيفساء المسيحية اللبنانية، على الرغم من حجمها الصغير. تتشارك هذه الطوائف في الانتماء إلى المسيحية، لكنها تختلف في أصولها التاريخية، والطقوس الدينية، والواقع الديموغرافي.

تعود نشأة طائفة اللاتين إلى البعثات التبشيرية الأوروبية ووجود بعض الرعايا الأجانب في لبنان. وتُعد هذه الطائفة الأصغر ديموغرافيًا، ويتركز أبناؤها في بيروت الكبرى وضواحيها. يتميز أفراد هذه الطائفة بالاندماج الاجتماعي والمهني ضمن النخب المتعلمة، والتوجه نحو التعليم العالي والمهن الحرة.

تعود أصول الآشوريين إلى سوريا والعراق وتركيا، وقدِموا إلى لبنان في موجات لجوء تاريخية، أبرزها بعد مذابح سيفو عام 1915 وعملية سميل 1933. يتبع أبناء طائفة الآشوريين الطقس السرياني الشرقي، ويتركزون في زحلة، وبلدة "الفاكهة" في البقاع الشمالي، وبيروت وبعض ضواحي المتن. يتميزون بالحفاظ على لغتهم السريانية الشرقية.

أما الكلدان فهم بالأصل طائفة سريانية شرقية مثل الآشوريين، لكنهم انفصلوا عن كنيسة المشرق واتحدوا مع الكرسي الرسولي. وقدِموا إلى لبنان بشكل أساسي من العراق في موجات هجرة ولجوء متتابعة، آخرها بعد الحرب الأميركية على العراق في العام 2003. يتميزون بالحفاظ على طقوسهم الكلدانية الخاصة ولغتهم السريانية الآرامية الحديثة.

منذ الاستقلال ومروراً بالحرب الأهلية اللبنانية، بقي الدور السياسي لهذه الطوائف الثلاث محكوماً بتحالفاتها الإقليمية والتحاقها بالمظلة المارونية الأكبر، أو بتأثير شخصياتها الذين يشغلون مواقع مهنيّة حساسة أو يمتلكون ثروات.

ركزت الطوائف الثلاث على حماية وجودها وتثبيت مؤسساتها أكثر مما ركزت على لعب أدوار قيادية مؤثرة في مسار الأحداث السياسية والاجتماعية في لبنان.

خلال سنوات الحرب الأهلية، لم تنتج أي من الطوائف المذكورة حزباً سياسياً خاصاً بها أو ميليشيا خاصة، لكن برزت بعض الشخصيات اللاتينية في مواقع تحالفات داخل الأحزاب المسيحية الأكبر. فيما انخرطت فئة من شباب الآشوريين في أحزاب القوات اللبنانية وغيرها من الميليشيات المسيحية للحماية الذاتية. وبقي وضع الكلدان هشًا بسبب ضعف التنظيم الداخلي للطائفة وتفاقم الهجرة.

خلال مرحلة ما بعد الحرب، تجلّى دور اللاتين بشكل أساسي من خلال النخب المتعلمة في القطاع المصرفي وسلك القضاء والمناصب الدولية. بينما كثّف الآشوريون جهودهم للمطالبة بترسيم هويتهم السريانية ضمن القانون، والمطالبة بمقعد نيابي خاص بهم. وركز الكلدان على الدفاع عن حقوق المهاجرين الجدد من العراق وسوريا، والعمل على تأمين الإقامة وتسهيل الاندماج.

تواجه هذه الأقليات المسيحية الثلاث تحديات عميقة تهدد استمراريتها وتأثيرها في المجتمع اللبناني، وهي تحديات مشتركة لكل الأقليات المسيحية المشرقية، مثل الهجرة والنزيف الديموغرافي، وصعوبة التعبير السياسي المستقل، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية.

Tags

Share your opinion

الأقليات المسيحية في لبنان: اللاتين والآشوريون والكلدان.. تاريخ وتحديات

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.