Thu 11 Dec 2025 10:12 am - Jerusalem Time

الشرق الأوسط يكتب فصوله... والسطر الأخير ينتظر!

أمين الحاج

 لم تنته الرواية بعد، وكل ما حدث كان مشاهد البداية فقط، ما شهده الشرق الأوسط من حروب وقتل وقصف وتوتر سياسي لم يكن الخاتمة، بل مجرد مقدمات لمرحلة أشد تعقيدا، ستعيد رسم الخريطة السياسية في الاقليم والعالم، فنتنياهو الذي أعلن مرارا ان الشرق الأوسط تغيّر، قد يكون "محقا" جزئيا، لكن مسار التغيير لا يسير وفق ما تصوره، بل في اتجاه يفضح حقيقة مشروعه، ويحطم صورته القديمة كقوة لا تقهر.
 ما جرى في غزة وما يجري في الاقليم ليست أحداثا عابرة، بل حلقات في مسلسل احتلال طويل، صار أكثر وقاحة وإرهابا، وأقل احتياجا للأقنعة، الهجمة التي طالت ايضا القدس والضفة الغربية، واسفرت عن مستويات قتل غير مسبوقة، واستيطان متسارع يعادل ضما زاحفا للارض وتهجيرا لأهلها، إرهاب المستوطنين صار ركنا ثابتا في منظومة استعمارية؛ جيش يوفر الحماية، قضاء يمنح الغطاء القانوني، وحكومة يمينية تدعم وتشجع، وتفتح الباب لمزيد من التوسع.
 في المقابل، انهارت كل "الخطوط الحمر"، ابادة جماعية، تجويع، تهويد القدس، تهجير، حرق حقول، اعتقالات جماعية، اعدامات ميدانية، واقتحام جامعات ومقار لمنظمات محلية ودولية؛ جميعها باتت جزءا من "روتين" الاحتلال اليومي، كل ادوات الاحتواء جربت وفشلت؛ من التعاون الامني، الى الشراكات الاقتصادية، والحياد، وحتى الادانة، الرسالة التي فهمها الاحتلال كانت واضحة؛ لا كلفة حقيقية لانتهاك القانون الدولي، وكل تراجع عربي او دولي عُدّ ضوءاً أخضر للمزيد من التمدد.
 سلوك الاحتلال ليس طارئا، بل امتداد طبيعي لمشروع استعماري أخفى وجهه عقودا خلف سردية "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط، وسط محيط عربي متخلف ومضطرب، السنوات الأخيرة أسقطت كل الأقنعة؛ شهوة القوة خرجت الى العلن، والبطش صار سياسة معلنة، لا استثناء، هكذا تغير وعي قطاعات واسعة في المنطقة والعالم؛ الاحتلال لم يعد يبدو باحثا عن أمن، بل قوة استعمارية، تتوسع بلا نية للتوقف او التراجع.
 مع ذلك، ما كان لهذه الوحشية ان تتمدد لولا الدعم الغربي، وعلى رأسه واشنطن، التي وفرت السلاح والغطاء السياسي، وعطلت مسارات المساءلة والعدالة الدولية، ولكن هذا لم يعد مفتوحا كما كان، فالمتغيرات الدولية، والتحديات الاقتصادية، كلفة الحرب مع روسيا، والتوتر مع قوى عالمية أخرى، وتبدل المزاج العام في الجامعات والشوارع الغربية، كلها تجعل استمرار التمويل السياسي والعسكري المفتوح خيارا يزداد عبئا، ويتعرض لمراجعة.
 وهنا تتضح المفارقة، في أوكرانيا، خلال أربع سنوات من الحرب لم يتجاوز عدد الضحايا المدنيين خمسة عشر ألفا، ورغم ذلك تلقت الدولة غير العضو في الاتحاد الاوروبي دعما يقارب اربعمائة مليار دولار، وتسليحا متقدما، فضلا عن عقوبات غير مسبوقة على موسكو، واعادة ترتيب لأولويات الامن والطاقة الاوروبية، وفي المقابل تبدو فلسطين، الاقدم تاريخا، والاكثر نزفا، كما لو تركت شبه وحيدة؛ لا تحالف دفاعيا، ولا غطاء سياسيا، ولا دعم ماليا او اقتصاديا، سوى الفتات من مساعدات غذائية واغاثية، شعبية الطابع، لا تغير واقعا، ولا توقف حربا، ولا تغير ميزان قوى، وفوقه، صمت رسمي تجاوز حد العجز، فصار الدم الأوكراني قضية أمن قومي غربي، فيما ظل الدم الفلسطيني ملفا أنسانيا هامشيا.
 استمرار هذا التفاوت سيعمق يقين جيل عربي وفلسطيني كامل، بان المنظومة الرسمية جزء من الازمة لا الحل، ما سيفتح الباب امام اشكال جديدة من الفعل السياسي والغضب الشعبي والتحالفات خارج القنوات التقليدية.
 الخلاصة، ان المستقبل لا يقترب من تسوية، بل من صراع طويل، بين احتلال يستند الى الزمن والنار، وشعب يستند الى الصبر والذاكرة، وقدرته على نزع شرعية محتله، طبقة تلو أخرى، فالتغيير الذي تباهى به نتنياهو قائم فعلا، لكنه لن يكتب كما يشتهي، ولا كما يخطط له الغرب، بل كما تصنعه الشعوب حين تضيق عليها الأرض بما رحبت، وحدها من يملك حق رسم ملامح شرق اوسط جديد، لا مكان فيه لاحتلال دائم، ولا لعجز قاتل.

Tags

Share your opinion

الشرق الأوسط يكتب فصوله... والسطر الأخير ينتظر!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.