Wed 10 Dec 2025 10:33 pm - Jerusalem Time

تحليل: اتفاقيات الذكاء الاصطناعي بين أمريكا والخليج.. فرص وتحديات

نشرت مجلة "فورين أفيرز" تقريرًا معمقًا حول الاتفاقيات التي عقدتها الولايات المتحدة مؤخرًا مع دول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي، مسلطة الضوء على الشروط اللازمة لنجاح هذه الشراكة في ظل المنافسة الشديدة مع الصين.

أشار التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، ركز خلال زيارته للخليج على الصفقات التجارية، وخاصة تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، أكثر من قضايا أخرى مثل غزة أو إيران أو التطبيع بين إسرائيل والسعودية.

وافقت إدارة ترامب على بيع رقائق متطورة إلى السعودية والإمارات، بالإضافة إلى الاستثمار في مجمعات ضخمة للذكاء الاصطناعي في المنطقة. في المقابل، تعهدت دول الخليج بضخ عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع داخل الولايات المتحدة.

يرى التقرير أن دول الخليج، بفضل ما تملكه من تقنيات وثروات سيادية ووفرة في الطاقة، قادرة على التفوق على أوروبا والهند في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لتصبح ثالث أكبر مركز عالمي بعد الولايات المتحدة والصين. هذا يجعل الحوسبة عنصرًا أساسيًا في العلاقة الأمريكية مع دول الخليج، بجانب النفط.

التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي يحمل مكاسب كبيرة، حيث يسمح بضخ استثمارات خليجية ضخمة في الشركات الأمريكية الناشئة، ويوفر لها فرصًا للتوسع في منطقة لا تواجه فيها الكثير من العوائق من حيث الطاقة والتراخيص.

كما أن الموقع الجغرافي للخليج يتيح للولايات المتحدة توسيع نطاق منظومة الذكاء الاصطناعي الأمريكية لتصل إلى مئات الملايين في أفريقيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، مما يساعد واشنطن على إزاحة الصين من موقع الشريك التكنولوجي الأول للخليج.

يحذر التقرير من أن تصدير التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة إلى دول الخليج ينطوي على مخاطر، حيث قد تقع في الأيدي الخطأ أو تضر بعمليات الشركات الأمريكية داخليًا. لذلك، هناك حاجة ماسة إلى وضع شروط دقيقة وإلزام هذه الدول بضمانات صارمة مقابل الحصول على الابتكارات الأمريكية.

أكد التقرير أن أبوظبي والرياض راهنتا منذ نحو عقد على الذكاء الاصطناعي لتنويع مصادر الاقتصاد بعيدًا عن النفط. فقد أنشأت الإمارات وزارة للذكاء الاصطناعي وأطلقت شركة "جي 42"، وافتتحت جامعة متخصصة، وطورت نماذج عربية، وأطلقت صندوقًا استثماريًا ضخمًا.

بدأت السعودية منذ 2016 استثمار مليارات الدولارات في شركات تقنية أمريكية مثل "أوبر"، وعملت على دمج الذكاء الاصطناعي في مشاريعها الكبرى، بما في ذلك جامعتها البحثية الرائدة وشركة النفط الوطنية.

واجه هذا التوجه عقبات بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، حيث ترددت بعض شركات وادي السيليكون في التعاون مع حكومات الخليج. في تلك الفترة، سارعت الصين لملء الفراغ، مقدمةً خدمات شبكة الجيل الخامس والحوسبة السحابية بأسعار تنافسية.

في أواخر عام 2022، أثبت نجاح "شات جي بي تي" أن الولايات المتحدة تتصدر مجال الذكاء الاصطناعي، ما جعلها الشريك الأكثر جاذبية. وفي عام 2023، فرضت واشنطن شروطًا جديدة على تصدير الرقائق المتقدمة، مطالبةً الدول الراغبة في شرائها بالابتعاد عن الكيانات الصينية الخاضعة للعقوبات الأمريكية.

أعادت صفقات ترامب مع دول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي إشعال جدل حول كيفية الحفاظ على التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة. يدعو المتشددون إلى حصر صادرات أشباه الموصلات على الحلفاء المقربين، بينما يؤكد مؤيدو الانتشار أن التفوق يعتمد على تبني الدول الأخرى أدوات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي الأمريكية.

تمثل اتفاقيات ترامب مع دول الخليج انتصارًا لمعسكر انتشار التكنولوجيا، حيث بدأت في عهد إدارة بايدن، إلا أن إدارة ترامب وسّعت نطاقها بشكل كبير وألغت القيود التي فرضتها إدارة بايدن على صادرات أشباه الموصلات.

يرى التقرير أن فوائد تعزيز التعاون مع دول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي تفوق المخاطر، حيث قد تسهم هذه الاتفاقيات في تنويع الاقتصادين السعودي والإماراتي، وتمنح الولايات المتحدة التفوق في المنافسة الاستراتيجية مع الصين.

تضمن هذه الصفقات توسيع الحضور العالمي للذكاء الاصطناعي الأمريكي، حيث يمكن للشبكات الخليجية في أفريقيا وآسيا، بالشراكة مع الشركات الأمريكية، أن توفر وصولاً إلى أسواق يصعب على الشركات الأمريكية دخولها منفردة.

يبقى خطر تسرب التكنولوجيا قائمًا، ما يستدعي معالجة الأمر مبكرًا أثناء صياغة تفاصيل الصفقات. يجب أن تتضمن الاتفاقيات بنوداً تلزم المشترين بإبعاد التكنولوجيا الحساسة عن شركات مثل "هواوي"، وأن توضح واشنطن أن أي تقارب عسكري أو تقني مع الصين سيعرض هذا التعاون للخطر.

يجب أن تقتصر هذه القيود على المجالات الأكثر خطورة، وأن تكون مفهومة بوضوح من الطرفين، مع إدراك أن دول الخليج قد توظف الذكاء الاصطناعي في حملات القمع الداخلية أو التدخلات الخارجية، حتى دون امتلاك الرقائق المتقدمة.

تستطيع إدارة ترامب تفادي النزاعات التقنية عبر التنسيق الدبلوماسي وتوسيع مكتب الصناعة والأمن المسؤول عن صادرات الرقائق في وزارة التجارة، وتعزيز التعاون بين وكالات الاستخبارات الأمريكية وشركات التكنولوجيا المحلية والدولية للتحقق من التزام الشركاء الدوليين.

يتطلب دعم الولايات المتحدة على المدى البعيد تصميم اتفاقيات الذكاء الاصطناعي الدولية لتُكمّل صناعة الذكاء الاصطناعي المحلية، لا أن تُضعفها. يجب على السعودية والإمارات الإسراع في تنفيذ استثماراتهما الموعودة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة، وعلى الولايات المتحدة التحرك بشكل عاجل لتشييد بنية تحتية للذكاء الاصطناعي محلياً.

يعتمد نجاح هذه الصفقات أيضًا على قبول الرأي العام الأمريكي، خاصة أن التفاوض عليها تم على عجل وخلف أبواب مغلقة، كما استفاد أقارب كبار المسؤولين الأمريكيين من صفقات مع دول الخليج في قطاعي العقارات والعملات المشفرة.

هناك عقبات أخرى، منها ضرورة أن تثبت دول الخليج قدرتها على بناء مراكز بيانات ضخمة وتقديم أسعار تنافسية وخدمات تلبي الطلب، مع مواجهة اضطرابات السوق التي قد تبطئ موجة الاستثمار الحالية.

سيشكل نجاح التعاون الأمريكي الخليجي في هذا المجال نقطة تحول في انتقال دول الخليج من اقتصادات نفطية إلى أطراف فاعلة عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي، فيما تستعيد الولايات المتحدة موقعها كشريك أول في هذه التقنيات الحاسمة.

Tags

Share your opinion

تحليل: اتفاقيات الذكاء الاصطناعي بين أمريكا والخليج.. فرص وتحديات

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.