في حي الزيتون بغزة، تلقى النازحون صدمة كبيرة عندما وصل الشاب عبد الرحمن عزام على دراجته، يخترق الأزقة المزدحمة بسيارات الإسعاف وأصداء الصراخ.
قبل أقل من ساعة، كان عبد الرحمن يجلس مع عمه زكريا، يتناولان القهوة ويتقاسمان قطعة حلوى بمناسبة ولادة طفل جديد لأحد النازحين، وكانوا يأملون أن يمنحهم وقف إطلاق النار بعض الراحة.
لكن عندما وصل إلى سيارة الإسعاف، وجد عمه زكريا مسجى كشهيد، بالإضافة إلى زوجته ضحى وأطفاله ميار (3 سنوات)، وسوار (5 سنوات)، ويحيى (7 سنوات)، وقد نقلوا جميعًا إلى المستشفى الأهلي العربي المعمداني كشهداء في نفس اللحظة.
لم تقتل الغارة العائلة فحسب، بل محتها بالكامل من السجل المدني، وكأن السنوات التي عاشوها لم تكن موجودة.
يروي عبد الرحمن (21 عامًا) تفاصيل يعرفها جيدًا عن عائلة عمه زكريا عزام (36 عامًا)، الذي كان يعمل عبر الإنترنت في مجال الجغرافيا. خلال العام الأول من الحرب، رفض النزوح جنوبًا رغم الحصار الإسرائيلي المتكرر، مؤكدًا تمسكه بأرضه.
ويضيف عبد الرحمن أن عمه شهد المجاعة التي فرضتها إسرائيل على شمال القطاع، لكنه لم يطلب مساعدات غذائية وكان من أكثر الناس تعففًا، وتحمل مشاق النزوح القسري المتكرر في شمال القطاع.
في إحدى المرات، كاد طلق ناري من طائرة إسرائيلية أن يقتل يحيى، لكنه نجا، وظل والده يردد أنه لا يريد أن يستشهد أحد من أسرته وحده، متمنيًا أن يستشهدوا جميعًا معًا حتى لا ينفطر قلب أحد.
خلال الاجتياح الإسرائيلي الأخير لغزة، قصف الاحتلال مدرسة الفلاح التي كانت تؤوي نازحين، وكانت الضربة على بعد 50 مترًا فقط من مكانهم. نجا زكريا وعائلته، ولكن مع اشتداد الاجتياح البري في أكتوبر، اضطروا أخيرًا إلى النزوح جنوبًا وأقاموا خيمة هناك. بعد وقف إطلاق النار في 10 نوفمبر، عاد مع أسرته إلى شمال القطاع ولجأوا إلى مبنى حكومي.
في يوم استشهاده في مبنى الأوقاف في 19 نوفمبر، أصر زكريا على إطعام عبد الرحمن من الحلوى التي وصلته، ثم خرج قبل المغرب لجلب الماء لأسرته.
يارب نستشهد كلنا مع بعض... عشان ما ينفطرش قلب حد
غادر عبد الرحمن المكان متوجهًا إلى منزل العائلة في حي تل الهوا، وبعد ساعة تقريبًا، تلقى خبرًا عن قصف مبنى الأوقاف. حاول الاتصال بعمه، لكن هاتفه كان معطلاً. اتصل بزوجته، لكنها لم تجب. رد شخص ما وقال إنه لا يعرف شيئًا.
عاد عبد الرحمن إلى حي الزيتون ووجد عمه في سيارة الإسعاف. كان وقت صلاة المغرب عندما استشهد.
لم يكن زكريا يتوقع أن يأتيه الموت خلال وقف إطلاق النار، كان يريد أن يعيش حياته مع أسرته، كان يحب الحياة.
في تلك الليلة، بينما كان عبد الرحمن يقف أمام سيارة الإسعاف بملابسه المثقوبة برصاصة قناص، لم يكن يحمل فقط ألم فقدان عمه، بل ألم فقدان عائلة بأكملها محيت من الوجود.
على مدار سنوات الحرب، ارتكب الاحتلال مجازر بحق آلاف الأسر، بينها عائلات أُبيدت بالكامل أو لم ينجُ منها سوى فرد واحد، وفقًا لمعطيات رسمية.
ومنذ سريان اتفاق وقف الحرب في 10 أكتوبر وحتى 22 نوفمبر، ارتكب الاحتلال مئات الخروقات للاتفاق.
ثلاثة أطفال، وزوجة شابة، ورجل كان يتمسك بالحياة رغم الحرب، عادوا إلى الشمال بحثًا عن الأمان، فسجل الاحتلال نهاية أسمائهم.
وها هو عبد الرحمن، الذي نجا من تحت الأنقاض عدة مرات وفقد والدته وإخوته في وقت سابق، يقف شاهدًا على حكاية عائلة عمه التي لم يبق منها سوى روايته، كي لا يُمحى آخر أثر لهم.





Share your opinion
غارة إسرائيلية تمحو عائلة عزام من سجلات غزة المدنية