اللواء بلال النتشة
الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس
ثمة إجماع في الشارع الفلسطيني عامة والفصائل الفلسطينية خاصة أن قضية التحرر الوطني لا يمكن لها أن تنجز بدون حركة " فتح". هذا ليس عبثا بل هو حصيلة تجربة معمدة بالدم على مدى الكفاح والنضال الوطني المستمرين للوصول الى الحرية والاستقلال. هذه التجربة قدمت فيها " فتح" جبالا من الجماجم وجابت العالم طولا وعرضا وهي تكشف زيف الرواية الاسرائيلية وتقدم في المقابل روايتنا الصادقة المبنية على حقائق تاريخية كتب عنها مؤرخون كبار من العرب والعجم وحتى من اليهود أنفسهم..ايلان بابيه نموذجا. هذه الحقائق تقول إن النضال الفلسطيني عادل، وإن دولة الاحتلال مزعومة وقامت على أنقاض شعب أصيل له جذور ضاربة في أعماق الأرض منذ الاف السنين. على ذلك كانت فتح ومازالت وستبقى حاملة لواء الحرية وراية الحق ومتسلحة بحقها بكل أنواع النضال المشروع حتى بلوغ الحرية المنشودة.
من هنا يأتي الإجماع الفلسطيني بأن "فتح" هي الأقدر على تحقيق طموحات وتطلعات الشعب الفلسطيني بالوسائل السياسية المتعددة حتى وان كانت دولة نتنياهو- سموتريتش-بن غفير- ترفض اي حل سياسي يؤدي الى إقامة دولتين لشعبين على أرض فلسطين الانتدابية. وهذا أساسه العقيدة الصهيونية التي ترفض الاعتراف حتى بحق الشعب الفلسطيني بالوجود فما بالكم في حقه بالحرية والاستقلال في كنف دولة ديمقراطية عاصمتها القدس الشرقية.
لا نريد الإسهاب في الشرح السياسي، وإن كان لا بد من هذه المقدمة لتوضيح أهمية حركة "فتح" في استمرار الكفاح والنضال الوطني الفلسطيني، وإذا ما أخذنا بالحسبان أن استطلاعات الرأي تعطي الحركة الاغليية الجماهيرية رغم حالة التشظي التي تمر بها،وهي مازالت قادرة على تحريك الشارع في كافة الاتجاهات ان ارادت فعل ذلك.
وبالعودة إلى عنوان المقال، فإننا نرى أن صلاح الحالة الفلسطينية التي تمر بمرحلة جزر سياسي تأتي اولا بإصلاح حركة فتح من الداخل.. من القاعدة إلى القمة حتى تستطيع استعادة زمام المبادرة وقيادة المرحلة الراهنة والمستقبلية بكل عنفوان وحكمة ومقدرة على تحقيق الأهداف الوطنية القابلة للتحقيق. وهذا يتأتى من خلال إجراء عملية غربلة للقاعدة والقمة في آن معاً، فأي حركة تحرر وطني لها عشرات السنين في الكفاح المتواصل لا بد أن يعتريها الضعف، وأن تصاب بأمراض كثيرة أبرزها المرض الانتهازي. ولا نجافي الحقيقة هنا ان قلنا ان "فتح" تتعرض لمؤامرة كبرى تشترك فيها قوى داخلية وعربية واقليمية ودولية لأنهم يدركون ان خراب "فتح" يعني تصفية القضية الفلسطينية.
تأسيساً على ذلك، يجب التأكيد على أن إصلاح الحركة يأتي من خلال تفعيل الحياة الديمقراطية فيها، وهذا هو ديدن "فتح" فهو يسجل لها انها وعلى مدى تاريخها الكفاحي العظيم مارست النقد والنقد الذاتي في اطرها التنظيمية وكان ذلك في عهد الرئيس الشهيد "ابو عمار" رحمه الله وفي عهد الرئيس القائد العام "ابو مازن" اطال الله في عمره وهذا هو النهج الذي سرنا عليه منذ الانطلاقة وسنبقى نمارسه انطلاقا من قناعتنا بأن النجاح في الوصول الى تحقيق الاهداف ياتي من خلال ممارسة الديمقراطية في اطار الحركة او الحزب وليس عبر القمع والاقصاء والتفرد في اتخاذ القرار. ومن هنا كنا وما زلنا مدرسة يحتذى بها في هذا الشأن ودليل صحة ما نقول إننا استطعنا بناء مؤسسات دولة رغم غياب كل مقومات ذلك.. والسبب واضح وهو الاحتلال والمؤامرة الدولية على القضية الوطنية.
في الأيام الأخيرة الماضية عقدت الشبيبة الفتحاوية مؤتمرها العام الأول برئاسة الرئيس "أبو مازن"، وكان مؤتمراً ناجحاً بامتياز بشهادة الكل الوطني والمراقبين الخارجيين. ولكي نستمر في هذا النهج الديمقراطي المتقدم علينا الإسراع في عقد المؤتمر العام الثامن للحركة الذي هو ضرورة قبل أن يكون استحقاقاً، وذلك لإحداث ثورة في التغيير الايجابي في بنى وهياكل الحركة بوصفها حركة تحرر وطني لم تنجز مهمتها التاريخية بعد، وبوصفها أيضاً كتلة تاريخية عريضة استطاعت أن تبحر بالقضية الفلسطينية إلى شاطئ الأمان لولا شذاذ الآفاق الذين عملوا على تدمير المشروع الوطني من الداخل بعد أن أعطوا الذرائع للاحتلال وداعميه لتدمير القضية الوطنية.
السؤال الكبير والتاريخي هو دائما ما العمل ولماذا المؤتمر العام الثامن؟ وقبل الاجابة لابد من التنويه بأننا خضنا مؤخراً نقاشاً واسعاً مع قيادات وازنة وتاريخية في حركة فتح، وخلصنا إلى ما يلي:
1-المؤتمر العام لحركة "فتح" هو السلطة العليا التي تقرر السياسات وتختار القيادة، ويجب أن يُعقد عبر آليات ديمقراطية شفافة لتعزيز الشرعية والتجديد.
2-المؤتمر يجسد ضرورة حركية داخلية وتنظيمية ملحة لإعادة تعريف دور الحركة أمام التحديات السياسية الراهنة، بما فيها تغول الاستيطان وحصار المشروع الوطني الفلسطيني، واحتماليات الضم للضفة ونتائج العدوان والمقتلة والنكبة الثانية في قطاع غزة، وإثر اعترافات متجددة بدولة فلسطين بالعالم والآليات المتوجب اتخاذها لتنفيذ وتحقيق دولة فلسطين على الواقع الجغرافي ودور حركة فتح وكافة أطرها.
3- إطلاق حوار فتحاوي داخلي موسّع ضمن الاطرالحركية من اجل اتخاذ خطوات عملية ملزمة لتحقيق مصالحات حركية تهدف إلى توحيد صفوف الحركة حتى نذهب الى المؤتمر موحدين لضمان نجاح المؤتمر وذلك وفق الآليات المتبعة.
4-تجديد الرؤية الوطنية والاستراتيجية العامة: المؤتمر الثامن يجب أن يفرز برنامجًا سياسيًا جديدًا يواكب التحديات ويضع الخطط اللازمة لمواجهتها.
5-تفعيل وتمتين علاقات حركة فتح مع قوى حركات التحرر والأحزاب والحركات العالمية الجديدة التي برزت إثر العدوان على غزة والضفة.
6-تحقيق تمازج الأجيال ما بين القيادة الحالية والقيادات الواعدة في إطاروحدة الحركة ونقل التجرية واستمرار المسيرة.
7-رفض أي تغيير حركي قيادي خارج صناديق الاقتراع لأن ذلك يفقد النظام الحركي شرعيته.
8-العمل على تمتين المشروع الوطني عبر حوار وطني جاد يؤدي الى اعادة الفصائل وخاصة الشعبية والديموقراطية لحضن منظمة التحرير.
9-قراءة المشهد في قطاع غزة في ظل التطورات الداهمة، والعمل على استعادة القطاع للشرعية الوطنية، وتجديد القيادات الحركية في غزة.
10-بناء مؤسسة تنظيمية حديثة قائمة على الكفاءة والمعايير وليس الأشخاص. وضرورة وضع حد للذين شوهوا الحركة، أو ركبوا على ظهرها، وبناء جيل ثوري ذو ديمومة نضالية حتى تحرير فلسطين، ووضع الحد لأساليب الإقصاء الفردية، والولاءات الشخصية والمناطقية التي أضعفت الحركة.
بهذا المعنى يمكن القول: ماذا نريد من المؤتمر؟
أولاً: العمل على بناء رؤية واستراتيجية وطنية فتحوية تجمع أبناء الحركة، ثم الكل الفلسطيني على برنامج عمل موحد بمواجهة العدو الرئيس أي الاحتلال، والكفاح ضد مخططاته بالقتل والتهجير والفصل العنصري، وضد روايته الأسطورية المزيفة حول فلسطين، وبالمقاومة والثورة ضد مخططاته الاستيطانية/الاستعمارية والتهويدية ومصادرته المتواصلة لأراضينا وتغول مليشياته الإرهابية، وفضحه في المحيط العربي وعالميًا، وتحقيق استقلال دولة فلسطين القائمة بالحق الطبيعي والتاريخي والقانوني (حسب اعلان الاستقلال عام 1988م) والمعترف بها كعضو مراقب منذ العام 2012م.
ثانياً: ضرورة إعادة البناء التنظيمي الفتحوي على قواعد صلبة عبر تثبيت العضوية وفق النظام الداخلي، وفي كافة الأقاليم بالداخل والخارج، وتفعيل النشاطات التثقيفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والنضالية الميدانية والجماهيرية.
ثالثاً: استعادة ثقة الكوادر والجماهير ببرنامج حركة "فتح" عبر تضييق الفجوة بين القيادة والقاعدة من جهة بالتواصل السليم من أعلى الى أسفل وبالعكس عبر تفعيل آليات الحوار الديمقراطي والنقد والنقد الذاتي في نطاقه، وعبر تضييق الفجوة بين كوادر التنظيم وقاعدته الشعبية العريضة ممثلة ببحر الجماهير، وحماية منجزات حركتنا المتحققة بتكريسها للفكر والعطاء والمفاهيم السبعة التالية: بالكيانية والشخصية الوطنية الجامعة والهوية النضالية والديمقراطية والوسطية والاستقلالية والوحدوية. ووضع حد لسياسة الاستزلام (التحشيد الشخصي) والفئوية أو المناطقية وضرورة انصهار الجميع (كافة التجارب) في بوتقة النضال وتحت راية التحرير.
رابعاً: ضرورة تبني "استراتيجية" تقود لانهاء الانقلاب المدمر (منذ العام 2007م) والانقسام الناتج عنه، وتوحيد فصائل الشعب الفلسطيني حول منظمة التحرير الفلسطينية، وأن تكون مخرجات المؤتمر مرتبطة ببرنامج للتحرير والتحرر من الاحتلال الغاشم ومحكومة بسقف زمني وآليات وفق ما أكده الرئيس محمود عباس بخطاباته ومنها بالجمعيه العامة للأمم المتحدة.
خامساً: وضع الخطط اللازمة لتفعيل الكل الوطني في داخل فلسطين، وفي خارج فلسطين حيث العدد الموازي أو الأكبر من الشعب الفلسطيني الذي يجب أن تكون له كلمته وصوته وبرامجه الداعمة لفلسطين في إطار حق العودة، وفي إطار النضال والاستراتيجية الموحدة.
سادساً: العمل على دعم انجاز تحقيق حكومة وحدة وطنية قادمة ببرنامج محدد يهدف إلى إنقاذ قطاع غزة واستعادته للشرعية، وانجاز ملف الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
سابعاً: دعم دور لجنة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، أوما يسميه البعض الإطار القيادي الموحد، للاجتماع الدوري بشكل مؤقت تمهيدًا لضم كل مكونات العمل الوطني ضمن (م.ت.ف).
ثامناً: بناء استراتيجية فلسطينية شاملة وخطة تنمية اجتماعية-اقتصادية لتجفيف ينابيع الاستعمار/الاستيطان، والانفكاك عن الإسرائيلي وتحقيق التواصل السليم مع دول الأمة العربية والإسلامية.
إننا على قناعة تامة بأن المؤتمر المقبل الذي نأمل انعقاده في أقرب وقت ممكن، وفي ضوء التحديات الكبيرة التي تواجه القضية الوطنية، سيكون على قدر كبير من الجاهزية لمواجهة التحديات عبر قيادة فتحوية مؤمنة بالتضحية من أجل الكل الوطني ولا تسعى لمكاسب شخصية، بل تحارب هذا الظاهرة الدخيلة على الحركة. كما أننا على قناعة بأن "فتح" قادرة على الخروج من الرماد كطائر الفينيق لتحلق عاليا في فضاء النضال الواسع ومتعدد الأشكال لإنجاز المهمة التارخية التي انطلقت من أجلها، وهي تحرير فلسطين وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
Sun 07 Dec 2025 11:22 am - Jerusalem Time





Share your opinion
المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح".. استحقاق أم ضرورة؟