أعلنت وزارة المالية الروسية عن إتمام أول إصدار لسندات القروض الفدرالية المقومة باليوان الصيني، بقيمة إجمالية قدرها 20 مليار يوان (حوالي 2.8 مليار دولار)، في خطوة ذات أبعاد استراتيجية.
تضمن الإصدار الذي تم في بداية شهر ديسمبر سندات لأجل 3.2 سنوات بفائدة سنوية 6%، وسندات أخرى لأجل 7.5 سنوات بفائدة سنوية 7%. وأوضحت الوزارة أنه سيتم تسوية نصف المبلغ الإجمالي باليوان والنصف الآخر بما يعادله بالروبل.
أكدت وزارة المالية أن الطلب على السندات تجاوز التوقعات الأولية، مما أدى إلى خفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس لكلا الإصدارين خلال عملية بناء سجل الاكتتاب. وأظهرت بيانات الوزارة أن البنوك شكلت المشترين الرئيسيين بنسبة 59.6%، تليها شركات الإدارة بنسبة 19.6%، ثم مستثمرو التجزئة بنسبة 15.9%، فشركات الاستثمار بنسبة 2.7%، وأخيرا شركات التأمين بنسبة 2.2%.
أكدت الوزارة الروسية استعدادها لطرح السندات المقومة باليوان سنويا إذا استمر الاهتمام بها في السوق. ويُعد هذا أول إصدار روسي لسندات حكومية مقومة باليوان، وقد طُرحت في بورصة موسكو، وتأتي هذه الخطوة في وقت تبحث فيه روسيا عن مصادر تمويل بديلة وتقليل اعتمادها على العملات والأنظمة المالية الغربية في ظل العقوبات الدولية.
يرى خبراء روس أن هذه السندات تتيح للمصدرين الروس، الذين راكموا فائضا كبيرا من العملة الصينية نتيجة التبادل التجاري، خيارا استثماريا جديدا. فقد بلغ حجم التجارة السنوي مستوى قياسيا يناهز 245 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بنحو 104 مليارات دولار فقط في عام 2020. وتعتبر الصين أكبر شريك تجاري لروسيا، إذ بلغت حصتها من الصادرات الروسية 31%، بينما شكلت حصتها من الواردات 39% بحلول نهاية 2024.
الانتقال إلى اليوان إجراء ضروري وذو أهمية إستراتيجية للحفاظ على الاستقرار المالي والنشاط الاقتصادي الخارجي لروسيا.
تعتبر روسيا مصدرا مهما للموارد الطبيعية إلى الصين، مثل النفط والغاز والفحم، في حين تعوض واردات التكنولوجيا والمعدات من الصين رحيل الشركات الغربية. ويحتل اليوان موقعا مركزيا في صندوق الثروة السيادي الروسي، بعدما وصلت حصته إلى 57% من الأصول السائلة للصندوق في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. ورغم ذلك، تشير بيانات رسمية إلى توقع تباطؤ طفيف في نمو التجارة خلال 2025، وانخفاضها بنسبة 9.5% خلال الأشهر العشرة الأولى من العام (بالدولار)، لتصل إلى 244 مليونا و183 مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
يوضح المحلل الاقتصادي فيكتور لاشون أن خطوة وزارة المالية تعود إلى جملة من الأسباب تتعلق بالتغيرات الجيوسياسية والعقوبات الغربية، والتوجه الروسي نحو التخلي عن الدولار في التعاملات الخارجية. ويضيف أن روسيا، في مواجهة العقوبات الواسعة، تسعى إلى تقليل الاعتماد على الدولار واليورو، اللذين أصبحا عملتين "سامتين" ومعرضتين لخطر التجميد. ومن شأن إصدار السندات باليوان جذب التمويل من خارج النظام المالي الغربي وإرساء معيار جديد للسوق المالية الروسية وتعزيز استقلالها المالي.
يرى لاشون أن اليوان تحوّل إلى ما يشبه "العملة الاحتياطية" الجديدة لروسيا، خاصة أن الصين أكبر شريك تجاري، وأن أكثر من 99% من التجارة الثنائية تُجرى فعلا بالعملات الوطنية. ويضيف أن السندات الجديدة تهدف إلى استيعاب هذه العملة المتوفرة بكثرة لدى المستوردين والبنوك الروسية لتمويل التجارة والاستثمار. ويؤكد لاشون أن الانتقال إلى اليوان يُعدّ إجراء ضروريا وذا أهمية إستراتيجية للحفاظ على الاستقرار المالي والنشاط الاقتصادي الخارجي لروسيا في ظل الظروف الحالية.
من جانبه، يصف الخبير المالي فياتشيسلاف بريكودين العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا والصين بأنها قوية، لكن استدامتها تعتمد على الوضع الجيوسياسي وقدرة الجانبين على إدارة الاختلالات القائمة. ويوضح أن اعتماد الاقتصاد الروسي على الصين ازداد مع انهيار العلاقات مع الغرب، مما أدى إلى ميل الميزان التجاري نحو صادرات المواد الخام الروسية مقابل السلع النهائية الصينية. وبرغم الطابع البراغماتي للعلاقة، فإنها محفوفة بتناقضات قد تعكس هشاشة معينة على المدى الطويل.
يشير بريكودين إلى أن استخدام اليوان يساهم في تنويع هيكل الدين الحكومي واحتياطيات النقد الأجنبي، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار صرف العملات الأخرى والقيود المحتملة. ويعتبر إصدار السندات خطوة ضمن جهود أوسع لتعزيز الشراكة الاقتصادية مع الصين، وتطوير بنية مالية بديلة أقل تأثرا بالعقوبات والضغوط الغربية.





Share your opinion
روسيا تعزز استقلالها المالي بإصدار سندات مقومة باليوان