يعكس السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي لإسرائيل في السنوات الأخيرة اعتقادًا خطيرًا لدى الإسرائيليين بتجاهل العواقب المترتبة على سياساتهم في الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتجاهل الساحة الدولية، والهجرة العكسية، والانقلاب القانوني، مما قد يدفعها نحو مستقبل أكثر تعقيدًا وصعوبة.
ذكرت السفيرة الإسرائيلية السابقة توفا هرتسل أن الحكومة الإسرائيلية تتصرف كما لو أن الواقع يمكن تشكيله وفقًا لإرادة أحادية الجانب، وكأن الأفعال لا عواقب لها، وهذا يعني أن اليمين الحاكم يصر على تحقيق رغباته متجاهلاً عواقب أفعاله، مما يضع تساؤلات حول مستقبل إسرائيل.
أضافت هرتسل أن القضية المحورية في كل سياسة اليمين الحاكم تتعلق بالسيطرة على الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، حيث اختار تعبيرًا خاليًا من الأحكام القيمية، رغم أنها أراضٍ استولت عليها إسرائيل من الأردن في حرب 1967، ومع ذلك، فقد أكدت إسرائيل في سنوات وعقود سابقة التزامها بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، لكنها تتصرف كما لو أنها تنوي السيطرة على الشعب والأراضي إلى الأبد.
أوضحت هرتسل أن هذه السياسة الإسرائيلية تخالف القانون الدولي، الذي يحظر توسيع أراضي الدولة من خلال الاحتلال، ويمنع نقل السكان من أرض محتلة إلى أخرى، بل لأسباب أمنية، وهناك أسباب تاريخية واستراتيجية لاستمرار السيطرة، لأنه بجانب التكاليف المالية، هناك ثمن دولي لاستمرار انتهاك القانون، وقد يؤدي حتى إلى فرض عقوبات خانقة، عندما تُعمِّر تلة أخرى، وتُعبِّد طريقًا آخر، فهل يفكر أحد في الثمن السياسي الذي ستدفعه الدولة في هذه المرحلة.
عندما تتصرف الحكومة الإسرائيلية كما لو أن الواقع يمكن تشكيله وفقًا لإرادة أحادية الجانب، فإن هذا يعني أن اليمين الحاكم يتجاهل عواقب أفعاله.
أشارت إلى أن الحكومة لا تنظر للمقاطعة المتزايدة بعد الحرب الصعبة في غزة، حيث لم تُقدّم خطة اليوم التالي لنهايتها، باستثناء شعارات مثل النصر الكامل، ولكن ماذا سيحدث للمزارعين الذين قُطعت مصادر رزقهم بسبب الحرب، وماذا سيحدث للأكاديميين الذين يجب عليهم النشر، ويحتاجون إلى علاقات مع زملائهم حول العالم ممن يتعرضون للمقاطعة، رغم مزاعم إسرائيل بأن المقاطعين منافقون أو معادون للسامية، لكن هذا لا يُقدّم حلاً للإسرائيليين الذين يجدون أنفسهم معزولين عن العمل، وسبل العيش.
أكدت هرتسل أن الثمن الإضافي لسياسة اليمين يتعلق بميزان الهجرة السلبي المعاكس، فعدد المهاجرين اليهود من داخل الدولة يفوق عدد الوافدين إليها، حتى أنني سمعتُ مقولة من بعض أنصار اليمين القائلة أنه من لا يرغب في تحمل عبء الحفاظ على الدولة، فلا مكان له بيننا، رغم أن الكثير من المغادرين شبابٌ ذوو مهنٍ مطلوبة، مما يطرح التساؤلات الصعبة على صناع القرار في الدولة عمّن سيحلّ محلّ الأطباء الذين ستوظفهم المستشفيات في الخارج، وخبراء التكنولوجيا المتقدمة.
أضافت أنه بصرف النظر عن الرد المتزمت من قبل أنصار اليمين بأن من يغادرون الدولة لا يستحقون البقاء فيها، لكنهم لا يطرحون حلولا عملية لمشكلة هجرة الأدمغة، ولم تضعها الحكومة للمناقشة على بساط بحثها، وحتى لو احتاج النظام القانوني إلى إصلاح، فماذا سيحدث إذا عيّن السياسيون قضاة جدد، لبحث القضايا الجنائية والمدنية، كما أن الحكومة لم تبحث أين يتجه نظام التعليم، بما في ذلك الزيادة المستمرة في عدد الطلاب الذين لا يجتهدون في الدراسة، مما سيترك آثاره السلبية على التفوق النوعي للدولة.
يشير هذا الاستعراض للأثمان التي تدفعها إسرائيل بسبب سياساتها الداخلية والخارجية، إلى أنها تواجه مشاكل صعبة، ولا يوجد حل سحري لأي منها، لأن جميعها تتطلب جهودًا وتنازلات، والنجاح غير مضمون، لكن تجاهل القضايا الوجودية، والوهم الطفولي السائد في الدولة بأن الأمور ستكون على ما يرام، وكل هذه الأمور ستحدد مسار الدولة، لأن التوقعات قاتمة على كل الأحوال.





Share your opinion
تحديات وجودية تواجه مستقبل إسرائيل في ظل سياسات اليمين المتطرف