Fri 28 Nov 2025 3:35 pm - Jerusalem Time

ازدواجيات العالم العربي

جواد العناني

لما كنت طالباً في مرحلة البكالوريوس، حيث تخصصت في علم الاقتصاد، علمني أساتذة التنمية مفهوم الازدواجية أو مصطلح أطلق على تسميته باللغة الإنكليزية (Dualism)، وقد أثار هذا الموضوع اقتصاديو البنك الدولي في كتاباتهم عن أسلوب الدفعة الكبيرة في التنمية (Big Push) مقابل التركيز في البدايات على القطاعات الواعدة التي تُخْتار على أسس قيمتها المضافة وما يمكن أن تفيض به على القطاعات الأخرى.

ولكن الاقتصادي الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 1979 وابن جزيرة سانتالوسيا في البحر الكاريبي، كانت له نظرية مختلفة في مقاربة التنمية الاقتصادية. هذا الاقتصادي المدعو سير أرثر لويس، قال إن الاقتصاد الإنتاجي مكون من قطاعين: قطاع زراعي يتمتع بمرونة إحلال التكنولوجيا مكان العمالة، وقطاع صناعي لا يتمتع بتلك المرونة، لأن الاستخدام المكثف لرأس المال (أو الآلات) يفرض حجم العمالة التي يمكن استخدامها.

وبما أن معظم الدول النامية تعاني من البطالة، وخصوصاً في القطاع الزراعي الذي يعاني من كبر العمالة العاطلة فيه من العمل، فإن الأجدى أن نعيد النظر في الازدواجية التقنية بين القطاعين، الزراعي والصناعي، من طريق إدخال الآليات ورأس المال إلى قطاع الزراعة، وتُنْقل العمالة الفائضة إلى القطاع الصناعي لزيادة الاستثمار فيه.

عندما يكون للاقتصاد وجهان مختلفان، يمكن البناء عليهما والاستفادة منها، وتسمى هذه الحالة الازدواجية التقنية. ومع أن النظرية لاقت ترحيباً من قبل كثير من الاقتصاديين، إلا أن البعض اعتقد أنها نظرية تأخذ جزءاً من متطلبات التنمية الاقتصادية المتوازنة، وأن احتمالات تعميق تلك الازدواجية قابلة للتحقق إن لم يُحسن المنظمون المخططون إدارة المشروع التنموي القائم على هذه النظرية. وبغض النظر عما لاقته تلك النظرية من ترحاب وما تعرضت له من تحوير وتعديل على أيدي اقتصاديين آخرين، إلا أن الازدواجية التكنولوجية بدأت تأخذ الآن أبعاداً وتصل إلى مستويات لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها.

فما رأيناه من التطورات السريعة في مجالات تكنولوجيا الإنترنت وهندسة الحواسيب، والذكاء الاصطناعي، قد أفرز ازدواجية تقنية على مستوى العالم كله. ورأينا دولاً قليلة العدد بشركات جبارة في مقدرتها التكنولوجية والمالية تجعل باقي العالم مستهلكاً لإنتاجها وبأسعار عالية وثروات هائلة.

ومعظم ما يجري الحديث عنه من محاولات الدول النامية أن تلحق بالموكب من طريق شراء حصص في هذه الشركات، أو من طريق التوسع في التطبيقات الذكية داخل هذه الدول، فإن قدرتها تبقى محدودة ومحكومة من قبل أصحاب التكنولوجيا الرائدة. وعندما يسمحون لنا بشراء أسهم في شركة تنتج (SuperChips)، فإن هذا السماح لا يتيح الفرصة للمستثمرين لأن يتعرفوا إلى التفاصيل الفنية لإنتاج تلك الرقائق.

وإن سمحوا، فإنهم يفعلون ذلك بعدما صارت تلك التكنولوجيا قديمة وجرى استبدالها. مثل هذه الازدواجية التكنولوجية لا تسمح بالتفاعل بين المنتجين لها، من ناحية، والمستهلكين لها، من ناحية أخرى. وما دامت تلك الفجوة قائمة، فإن إمكانية استخدام الازدواجية لخلق طاقة إنتاجية فعالة على غرار ما نادى به "لويس" تبقى محدودة، بل إن الشواهد تؤكد أن الفجوة قابلة للتمدد، ما يجعل إمكانية تجسيرها وردم هوَّتِها أمراً يكاد يكون المستحيل بعينه. ولكن الوطن العربي، وفي معظم أقطاره، يعاني من الازدواجية التعليمية والثقافية. وقد رأينا نمو المدارس الخاصة المكلفة في كثير من الدول العربية. وقد اتسعت الهوة بين هذه المدارس والمدارس الحكومية التي كنا نفخر بالانتماء إليها.

أما الآن، ومع تقلص الرواتب في القطاع العام، فقد تراجع التعليم فيه، وصار خريج المدرسة الحكومية أقل ذكاءً ومعرفة ومهارة من زميله المتعلم في المدارس الخاصة، التي تقوم بتعويده على المناخ التعليمي الليبرالي، وتسمح له بأن يمارس فضوله وشكوكه، ويدرس لغات أجنبية ويتقن مهارات استخدام الذكاء الاصطناعي وتمنحه الدِّربة العالية في استخدام أجهزة الحاسوب وغيرها من وسائل الحساب والتواصل الحديثة. ولذلك يحصل طلاب المدارس الخاصة على فرص الدراسة في جامعات مشهورة وتتمتع بسمعة عالية في عدد من التخصصات.

وهكذا تتسع الفجوة بينه وبين خريج المدارس العامة التي ربما أكمل دراسته الجامعية في جامعة أو كلية محلية. وبسبب الفارق في مستوى التحصيل العلمي والمعرفي واكتساب المهارات الرفيعة، فإن خريج الجامعات العريقة والمدارس الخاصة سيحصل على الوظائف الأكبر دخلاً وأكثر امتيازاتٍ ومردوداً. ولهذا يتسع الفارق بين الاثنين، وتصبح الازدواجية التعليمية حداً فاصلاً بين أبناء الميسورين وأبناء الطبقة المتوسطة والفقراء، عدا اللهم عن حالات استثنائية يبرز فيها عدد قليل من هذه الطبقة ويُدمَجون في مجتمع الأغنياء.

وهكذا تتوسع الفجوة الطبقية، وتبدأ الطبقة الوسطى في التآكل التدريجي. ولذلك وجب على كثير من الأقطار العربية أن تنتبه لهذه الظاهرة الخطيرة، ولكن الحل لا يكمن في إضعاف مستوى المدارس الخاصة، بل في تحسين فرص التعليم في المدارس العامة. ولعل أولى هذه الخطوات تنبع مما كتبه وبحثه الاقتصادي "تيبور سكيتوفسكي" حين قال إن من أهم أسباب تراجع مستوى التعليم هو التناقص في الأجور النسبية للمعلمين. وأذكر في الأردن مثلاً أن المدرس خريج الجامعة كان يقبض في أولى الستينيات من القرن الماضي حوالي 36 ديناراً في الشهر.

بينما كان أجر العامل العادي لا يتجاوز 10 دنانير في الشهر. وبمعنى آخر، كان أجر الأستاذ يساوي تقريباً (3.6) أضعاف راتب العامل. أما هذه الأيام، فإن الأستاذ المبتدئ بعد التخرج من الجامعة يحصل على حوالى 300 دينار شهرياً في الوقت الذي يحصل فيه العامل على 400 إلى 450 ديناراً شهرياً على الأقل.

ولذلك تراجعت القيمة المعنوية والاجتماعية والامتيازات المادية لمعلم المدرسة. وكذلك فإن ازدحام المدارس العامة يتطلب تعيين أعداد سنوية جديدة من الأساتذة. ولكن التعليم لم يُعرَف بكونه مهنةً، بل عُرِّف بأنه وظيفة فقط. ومن قال إن خريج الجامعة، حتى لو كان مبدعاً سيكون أستاذاً متميزاً قادراً على نقل المعرفة بوضوح وفعالية لطلابه دون تدريب مهني؟

ولذلك، فقدت وظيفة التعليم مع الوقت ما بقي لها من مهنيتها. ولعل الأستاذ خريج الثانوية العامة والدارس لسنتين في إحدى دور المعلمين، كان أكثر كفاءة وقدرة على تشكيل فهم الطلاب وعقولهم من بعض الأساتذة خريجي الجامعات، إذا لم يتدربوا على التعامل مع الطلاب، وفهمٍ لأساليب التواصل والدراسة بأبسط قواعد البيداغوجي (Pedagogy) أو النظرية التربوية.

ورفع رواتب الأساتذة والمعلمين ليس خسارة، بل هو تعميق للدور الاجتماعي والإنساني الذي كان يقوم به المعلم للمجتمع الذي يعمل فيه. وكذلك فإن منع بعض الدول الأستاذ المعين حديثاً من أن يخدم في المدينة التي ولد فيها أو ترعرع فيها ساهم في خلق الهوية الجامعة للبلدان. وأما الخطوة الأساسية الثانية، فهي توسيع فرص التدريب أمام المعلمين باستمرار، شحناً لمهاراتهم وتطويراً لقدراتهم. فأساليب التعليم تتطور عاماً بعد عام، ولا يجوز أن يبقى التعليم حبيس قوالب جامدة. فهو متطور، وأهل المعرفة التربوية يدركون تماماً أهمية دور التعليم والمعلم في التنمية البشرية.

ويبلغ معدل الإنفاق على التعليم في العالم ما يقارب 4% من الناتج المحلي الإجمالي حسب تقارير اليونسكو. ولكن الدول الأعلى دخلاً تنفق في المعدل 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي. أما في الدول متوسطة الدخل، فتبلغ حوالى 3.6%، ويتوقع أن ترتفع مخصصات التعليم إلى 6% في الدول الغنية وإلى 4% في الدول الأقل حظاً. ويغطي القطاع الخاص عالمياً ما معدله ربع هذه المخصصات، وتتراجع هذه النسبة في الدول الغنية إلى 20% فقط.

ولذلك لا بد من زيادة مخصصات التعليم، ليس في بناء المدارس والجامعات، بل إن مساهمة البناء المدرسي في التعليم، مع تطور أساليب التعليم عن بعد والذكاء الاصطناعي، ستكون قليلة وكذلك المكتبات وغيرها. ولذلك وجب نقل هذه المخصصات إلى تحسين أدوات التعليم ووسائله ورفع المهارات وتطوير قدرات التواصل لدى الطلبة وفي تأهيل المعلمين. أما النقطة الثالثة التي لا بد من إبرازها والتركيز عليها، فهي زيادة المخصصات إلى بند البحث والتطوير.

ويتطلب هذا الأمر كذلك إعادة تركيز الأموال المخصصة للبحوث على المجالات التي تحددها الجهات التي يمكن أن تستفيد من نتائج هذه البحوث أو المُسماه Client-driven مثل مصنع، أو جامعة، أو خدمة، أو تطوير. وعلينا أن ندرك أننا في زمان التخصص وتقسيم العمل الذي نحياه صرنا بحاجة إلى اتباع الأسلوب متعدد المعارف (Multidisciplinary) لكي تكون هذه الأبحاث متكاملة الفائدة وأكثر عمقاً وقابلية للتطبيق.

إذا استطعنا أن نبني مدارس قادرة على أن تستوعب كل صاحب قدرة بغض النظر عن مركزه الاجتماعي، وأعدنا للتعليم قيم المساواة والإبداع والمقدرة، فإن المجتمع سيكون أكثر تجانساً وأقل ازدواجية.

Tags

Share your opinion

ازدواجيات العالم العربي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.