- واشنطن –"القدس" دوت كوم- سعيد عريقات
كشفت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها الأربعاء أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمل على دفع خطة مثيرة للجدل تقضي ببناء مجمّعات سكنية مؤقتة للفلسطينيين في المنطقة التي تحتلها إسرائيل في قطاع غزة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ أن شنت إسرائيل حربها على غزة وتحوّل "الخط الأصفر" إلى منطقة عسكرية مغلقة. وبحسب الصحيفة، فإن الخطة يجري الترويج لها على أنها "حل عاجل" لأزمة النزوح داخل غزة، لكنها في جوهرها تلامس العمق السياسي للصراع، وتطرح أسئلة عن النوايا الأميركية والإسرائيلية بشأن مستقبل القطاع وحدوده.
ويقود التخطيط لهذه المجمعات، الحاخام اليهودي الأميركي، أرييه لايتستون، المستشار السابق للسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، وهو شخصية لعبت دورًا محوريًا في توجيه سياسات واشنطن خلال السنوات الأولى لـ"صفقة القرن". ويشارك في الفريق مخططون أميركيون آخرون قدموا من وزارة "كفاءة الحكومة"، ويعملون – كما تشير الصحيفة – من فنادق فاخرة على شاطئ تل أبيب، حيث تتجاوز تكلفة الليلة 700 دولار، في مشهد يثير مفارقة قاسية بين رفاهية غرف الاجتماعات والبؤس الإنساني المتفاقم في غزة.
وتذكر الصحيفة أن جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب وأحد أبرز مهندسي السياسات المتعلقة بغزة، يدفع بقوة لاعتماد خطة البناء على الجانب الإسرائيلي من القطاع باعتبارها وسيلة ضغط جديدة على حركة حماس. لكن مسؤولين عربًا وأوروبيين حذّروا من أن هذا المسار قد يُرسّخ السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف أراضي غزة، ويحوّل "الخط الأصفر" – المرسوم أصلًا كفاصل عسكري من جانب واحد – إلى حدود سياسية عملية. الأهم أن الخطة لا تتطرق إلى المناطق المدمرة التي يعيش فيها أكثر من مليوني فلسطيني داخل غزة، حيث تُمنع إعادة الإعمار وتُقيَّد المساعدات الإنسانية.
وتعتمد الخطة على إنشاء عدة مجمعات سكنية، يمكن لكل منها استيعاب نحو 25 ألف شخص، وهو رقم لا يكاد يلامس الاحتياجات الحقيقية للقطاع المحاصر. وتهدف واشنطن، بحسب التقرير، إلى استبدال الخيام التي يعيش فيها النازحون بمساكن أكثر صلابة، من نوع المقطورات أو البيوت المجمّعة، لكنها تبقى حلولا مؤقتة ومقيّدة بطبيعتها. غير أن المخاوف الأكبر جاءت من بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين الذين شبّهوا هذه المجمعات بـ"مخيّمات احتجاز"، لا سيما أن مسؤولين إسرائيليين أكدوا أنه بمجرد دخول الفلسطينيين إليها "لا ينبغي لهم المغادرة".
وتدرس إدارة ترمب إشراك "قوة استقرار دولية" لتوفير الأمن داخل هذه المخيمات، لكن تشكيل مثل هذه القوة ما يزال غير واضح، خصوصًا أن خطة واشنطن لوقف إطلاق النار – التي تواصل إسرائيل خرقها – لم تحقق أي تقدّم ملموس. وزاد من قتامة الصورة ما كشفه التقرير عن تواصل الإدارة الأميركية مع ميليشيات وعصابات مدعومة من إسرائيل على الجانب الإسرائيلي من "الخط الأصفر"، لتقوم بدور في "فرض النظام". ومن بين تلك العصابات مجموعة يقودها ياسر أبو شباب، الذي أقر عام 2024 بأن مجموعته نهبت شاحنات مساعدات إنسانية، ويضم بعض أفرادها عناصر على صلة بتنظيم داعش.
وتتوقع مصادر أميركية أن تبدأ القوات الإسرائيلية بإزالة الأنقاض في رفح جنوب غزة تمهيدًا لبناء أول مجمع سكني، لكن يبقى الغموض مسيطرًا على مسألة التمويل، إذ تشير التقديرات إلى أن بناء المجمع الأول سيكلف عشرات الملايين من الدولارات، دون وجود جهة تعلن استعدادها لتغطية الكلفة.
وأول ما يلفت الانتباه في هذه الخطة هو أنها تُقدَّم بوصفها معالجة إنسانية، بينما تتجاهل جذور الأزمة: الدمار الواسع والحصار الممتد وغياب أي أفق لإعادة الإعمار. فبناء مجمّعات صغيرة على أراضٍ محتلة لا يخفّف معاناة مليوني إنسان يعيشون في ظروف كارثية، بل يُسهم في خلق واقع جديد يُدار خارج غزة بدل إصلاح الداخل المدمّر. إن نقل جزء محدود من السكان إلى منطقة عازلة محروسة يعكس محاولة هندسة ديموغرافية أكثر منه جهدًا إنسانيًا.
كما أن مواصلة الاعتماد على ميليشيات غير نظامية لتأمين هذه المناطق – وبعضها متورط في جرائم موثقة – يكشف هشاشة الخطة وخطورتها. أي مشروع يضع الأمن بيد مجموعات مسلحة ذات مصالح ضبابية محكوم عليه بأن يتحول إلى بيئة قمع وانتهاكات، لا إلى مساحة آمنة للمدنيين. بل إن الحديث عن "عدم السماح للمقيمين بالمغادرة" يضع الخطة على حافة التعارض مع القانون الدولي ومع التعريف القانوني لمراكز الاحتجاز.
أما على المستوى السياسي، فتأتي الخطة في لحظة يتزايد فيها النقاش حول مستقبل غزة. ولذلك تبدو أكثر محاولة لتثبيت واقع تقسيمي جديد لا يمر عبر مفاوضات، بل من خلال فرض وقائع عمرانية وأمنية على الأرض. تحويل "الخط الأصفر" إلى حدود فعلية سيعني انكماش غزة جغرافيًا، وولادة منطقة فصل إداري وأمني تُدار بإشراف أميركي–إسرائيلي، وهو ما قد يشكل سابقة لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للقطاع دون مشاركة الفلسطينيين أنفسهم. في هذا السياق، لا تبدو الخطة سوى خطوة إضافية ضمن مشروع أوسع يعيد تعريف غزة وحدودها ومستقبلها السياسي تحت غطاء إنساني هش.





Share your opinion
الولايات المتحدة تدفع نحو بناء مجمّعات سكنية في المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل من غزة