Thu 27 Nov 2025 9:24 am - Jerusalem Time

احتلال بربطة عنق!

أمين الحاج

مع كل عدوان جديد، يتصدر المشهد خطاب لغوي مدروس، فجيش الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الارض والمعابر والحدود، بل يسعى ايضا الى السيطرة على المعنى، لسنوات طويلة بنى الاحتلال قاموسا يعيد من خلاله انتاج واقعه القمعي بصورة إدارية محايدة، فتتحول الجرائم إلى إجراءات، والاقتحامات الى نشاطات، والتهجير الى تنظيم، والاحتلال العسكري الى ادارة مدنية، هذه اللغة ليست تفصيلا لغويا، بل جزء من استراتيجية بنيوية تستهدف تشكيل الوعي العام داخل فلسطين وخارجها.
 البداية تبدو بسيطة، خبر يعلن "فرض حظر تجوال شامل على محافظة طوباس مغلقا جميع المداخل بالسواتر الترابية"، في الصورة كومة ترابية على مدخل طمون، لكنها تسمى ساترا ترابيا، المفردة تحمل معنى الستر والحماية، لا التعطيل والاخضاع، لكنها تستخدم لتقديم فعل عسكري عدواني وكأنه عمل هندسي، الأمر نفسه يتكرر حين يتحول جدار الفصل العنصري الى الجدار العازل، ولتجريم وجود الفلسطيني فوق أرضه تسمى مناطق ساخنة او تماس، والحصار والتجويع والعدوان تتحول الى اغلاق او إجراءات أمنية او عملية عسكرية او مناورة برية، والإعدام الميداني او القتل على الهوية يصبح تحييدا أو إصابة مشتبه به، والاغتيال عملية أمنية، وبهذه الطريقة لا يظهر الاحتلال كقوة استعمارية، بل كمنظومة إدارية مصحوبة بإجراءات أمنية.
 وكي يرسخ الاحتلال سيطرته على الارض، يعيد صياغة الخرائط بالكلمات، فالحاجز العسكري الذي يمنع المزارعين من الوصول الى اراضيهم يسمى بوابة زراعية، والمناطق المصادرة تتحول الى مناطق رماية، والطريق الذي يشق لخدمة المستوطنات يصبح طريقا التفافيا، وحتى السيطرة العسكرية على ثلثي الضفة الغربية تغلف باسم المنطقة “ج”، والاراضي التي اغتصبت وهجر اهلها تصبح املاك غائبين، والاراضي التي اغتصبت تتحول الى حزام امني، ومنع الفلسطيني من البناء او هدم بيته يسمى تنظيم البناء، انها لغة تهدف لقطع الرابط بين الفلسطيني وفضائه الطبيعي، وتحويل الأرض من حق تاريخي، الى ملف إداري او سجل عقاري.
 اما القمع المباشر فيجري تبريده عبر مفردات ناعمة، فاقتحام المدن، واختطاف السكان، وتخريب الممتلكات يوصف بانه نشاط عسكري او عمليات اعتقال، ومقاومة السكان توصف بالاشتباكات او المواجهات، والعقاب الجماعي يسمى طوقا أمنيا، وفي السياق نفسه يصبح وجود الفلسطيني داخل ارضه وجودا مشبوها، والسماح له ببعض حقوقه المحروم منها تسمى تسهيلات، اما المستوطن المسلح الذي يمارس الإرهاب فيقدم كمدني إسرائيلي، ومصادرة الممتلكات تصاغ كسيطرة على وسائل قتالية، والاعتداءات توصف بالاحداث، وتكثيف القمع يسمى اجراءات امنية مشددة، والتحضير لعدوان جديد يسمى اعادة تقييم للوضع، بينما استمرار الحرب مع وتيرة قتل اقل يوصف بوقف اطلاق النار.  
وحدات القتل المحترفة تسمى قوات خاصة، وعمليات المقاومة توصف بـدوافع قومية، وتحريك جيش الاحتلال من منطقة الى اخرى مع الابقاء على السيطرة الكاملة يسمى اعادة انتشار، والاعتداء على السكان العزل يوصف بتفريق مظاهرات، والقصف وتدمير البيوت والمدارس والمستشفيات يقدم كاستهداف بنى تحتية او هجوم استباقي، اما مصادرة الارض فتعرف كأمر عسكري، واستمرار البناء داخل المستوطنات القائمة وتوسعتها دون غيرها يمرر باسم تجميد الاستيطان، والحكم بلا سيادة يقدم كحكم ذاتي محدود، وفرض الاجراءات التي تخدم الاحتلال اجراءات بناء ثقة، والخطاب الذي يشرعن التفوق العرقي يسمى قانون القومية، والاطار الايديولوجي للتمييز البنيوي يسمى يهودية الدولة.
وفي مستويات اخرى يوظف الاحتلال خطابا اقتصاديا يهدف لتجميل الهيمنة، مشاريع صغيرة تبقي الناس على قيد الحياة تسمى تحسين حياة، ومحاولات تحويل المطالب الوطنية الى عوائد مالية تسمى سلاما اقتصاديا، ولا يتوقف الامر عند ذلك، فالمطالب الفلسطينية تختزل بالملف الفلسطيني، وواقع الاحتلال نفسه يسمى المشهد الفلسطيني.
هذه اللغة ليست زلة صحفية ولا افراطا في التلطيف، بل بنية كاملة تهدف لنزع الصفة الاستعمارية عن الاحتلال وتقديمه كإدارة خدمات تتعامل مع ملف معقد، وبذلك تتحول القوة التي تفرض الحصار والقمع والقتل والاقتحام الى جهاز إداري، فيظهر استعمار يرتدي ثوبا رسميا ويغطي مخالبه الفولاذية بالجلد الناعم.
 مواجهة هذا القاموس لا تتم بمجرد فضح المصطلحات، بل ببناء لغة فلسطينية دقيقة تسمي الاشياء بأسمائها، وتعيد الاعتبار للحقيقة كما هي، فمن يربح المعنى يقترب خطوة من ربح الرواية، ومن يربح الرواية يقترب خطوة من التأثير في الوعي، وهو الميدان الذي يعرف الاحتلال اهميته ويقاتل فيه بالكلمة قبل الرصاصة.

Tags

Share your opinion

احتلال بربطة عنق!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.