تعيش الضفة الغربية منذ شهور على وقع حرب صامتة، لا تدار بالمدافع، بل بالعصي والنار، اعتداءات موجهة ومدروسة، حرب لم تعلن رسميا، لكنها تترك خلفها قرى مهددة، ومنشآت محترقة، ومزارعين يعيشون بين خوف الصمت وخذلان العالم، ومع تصاعد هجمات المستوطنين واتساع رقعتها، لم يعد المشهد مجرد "انفلات" أمني، بل سياسة يراد من خلالها سرقة الأرض وتهجير أهلها.
من المفارقات ان بعض قادة المستوطنين الذين باتوا يعبرون عن قلقهم، لا يعارضون جوهر الاستيطان، بل "الضجيج" المصاحب له، بالنسبة لهم الاستيطان "الصامت" هو النموذج "الأمثل"؛ توسعي متدرج ومدروس، مدعوم بقرارات حكومية وشبكات التمويل، يبتلع الأرض شبرا شبرا، دون ان "يستفز" الرأي العام، او يحرك ضغطا دوليا، اما هذا العنف فيرونه "سوء إدارة"، لأنه يسلط الضوء على ما أرادوه ان يبقى في الظل.
المناخ السياسي من يمين متشدد وانقسام داخلي، منح غطاء غير مسبوق لجماعات المستوطنين المسلحة، فباتت تتصرف كقوى مستقلة، تمارس سياسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين في الأرياف، تحت سمع الاحتلال وبصره، بمشاركته او تواطؤه، تقارير أممية ومحلية وثقت ارتفاعا حادا في هجمات المستوطنين خلال العامين الأخيرين، هي الأعلى منذ عقود.
في المقابل، يطرح الشارع الفلسطيني سؤالا مشروعا، من يحمي المدنيين؟ او يتساءل عن الدور المناط بالمؤسسة الأمنية، وقبل الاجابة على هذا السؤال، سارعت مؤسسات رسمية فأعلنت عن نيتها تشكيل "لجان حماية شعبية"، هذه الخطوة الرمزية تظل محاطة بالشكوك، فالحماية التطوعية دون موارد او صلاحيات فعلية قد تتحول الى شعار اكثر منها آلية ردع، في ظل غياب كلي لخيار التسليح، ما يجعلها دعوة للموت اكثر منها للحماية، ما قد يعمق هشاشة الواقع القائم اصلا.
لكن ليس هناك الكثير من الممكن، اصبحت الخيارات محدودة اكثر من ذي قبل، لا تتجاوز سقوفا بعينها، وفي هذا الاطار او تحت هذا السقف يمكن الحديث مثلا عن استراتيجيات تقوم على التوثيق لكل اعتداء وتحويله الى ملف قانوني قابل للتقاضي، الى جانب التنسيق القانوني الموحد لرفع ملفات رسمية امام المحاكم الدولية، مصحوبة بحملات إعلامية تفضح شبكات الدعم وتكسر حاجز التعتيم السياسي، يتوازى ذلك مع ضغط دبلوماسي واقتصادي يفرض كلفة حقيقية على قادة المستوطنين، عبر تجميد أصولهم ووقف شراكات المؤسسات التي تمول مشاريع الاستيطان.
وايضا، بناء شبكات حماية هجينة، لا تقتصر على الفلاحين او المدنيين، تكون مرنة ومدربة، تستخدم بنية السلطة ومواردها، كمخرج لتجنب خيار المواجهة، آنيا على الأقل، تنسق مع البعثات الدولية والمراكز الاعلامية لتعزيز الصمود الميداني، وفي جوهر هذه الحماية تبقى الضرورة القصوى أيضا لحشد الدعم للمزارعين، سواء من خلال المنح الطارئة، وبرامج إعادة زراعة، وبرامج التشغيل، وتطوير مصادر المياه، وتوفير المعدات، وتشجيع الاستثمار، وتقديم الحوافز المالية، والإعفاءات الضريبية، ودعم تسويق محاصيلهم في الأسواق الاقليمية والدولية، وأي مبادرات اقتصادية ممكنة او بديلة تقلل من تأثير فقدان المواسم على بقاء الأسر وصمودها، لأن الصمود المعيشي هو خط الدفاع الاول في معركة الوجود هذه.
أي أن عصابات "تدفيع الثمن" يجب ان تواجه بإجراءات تدفيع الثمن، وعندما يدرك قادة المستوطنين ان الاعتداءات لا تمر بصمت، وان كل حريق او اقتلاع شجرة سيتحول الى صورة في التقارير الدولية وملف جنائي أمام المحاكم، سيصبح العنف عبئا لا مكسبا، عندها فقط يمكن رد المشروع الى جوهره: استيطان مكشوف ومفضوح، لا صامت او آمن.
الضفة اليوم امام نقطة تحول؛ اما ان تستمر كحقل تجارب لمخططات ابتلاع صامت، او تتحول الى ساحة ضغط سياسي وقانوني منظم يجبر الاحتلال على دفع الثمن، اللحظة الراهنة، بما يصاحبها من اهتمام وتعاطف إعلامي ودولي، تمثل فرصة نادرة لإعادة تعريف الوضع بوصفه صراعا على الوجود لا على الحدود، وبالتالي، فالمطلوب الردع وفضح المشروع بدل الصمت، لتحويل كل جريمة إلى عبء سياسي على مرتكبيها، فالاستيطان الذي أراد قادته ان يتقدم بلا ضجيج، سيجد نفسه في مواجهة الصوت الأعلى؛ صوت الصمود الفلسطيني الذي يعلو فوق الإرهاب والترهيب.
Thu 13 Nov 2025 9:23 am - Jerusalem Time
الضفة بين استيطان يبتلع الأرض وعنف يفضح المشروع !
أمين الحاج





Share your opinion
الضفة بين استيطان يبتلع الأرض وعنف يفضح المشروع !