ينبض الشارع المقدسي كلما اشتدّ ثقل الإجراءات على تفاصيل الحياة اليومية، ويستعيد عبر حراكه الشعبي لغةً خاصة صاغتها سنوات طويلة من الاحتكاك والذاكرة والسياسات المتغيّرة، وفي لحظات التوتر، يتحول هذا الحراك إلى وسيلة يعيد بها المجتمع ترتيب المشهد وفتح منافذ جديدة للتعبير، مؤكدًا أن المدينة لا تنفصل عن أهلها مهما ضاقت مساحتها أو تبدّلت أحوالها، ويتشكل الحراك المقدسي من خارج البُنى التنظيمية التقليدية، فلا يقوده بيان ولا جهة واحدة، بل تحكمه بوصلة داخلية تستشعر حساسية المكان واستثنائية اللحظة، وحين يشعر الناس بأن قدسية مدينتهم أو كرامتهم أصبحت موضع اختبار، يتكوّن وعي جمعي تلقائي يصهر الأزقة والساحات في لحظة واحدة، فتصبح المدينة فضاءً واسعًا للحضور والانتماء والتعبير الحي.
أولًا: حراكات تعيد موقع المدينة في الوعي
- حراك البوابات الإلكترونية 2017 ..
شكّل صيف 2017 محطة فارقة حين فُرضت إجراءات جديدة على أبواب المسجد الأقصى، وخلال ساعات قليلة، تحولت الأرصفة إلى ساحات صلاة جماعية، وصار الحضور البشري عنصرًا فاعلًا في المشهد الميداني، وقد كشف هذا الحراك مستوى متقدمًا من الانضباط الذاتي والوعي الجمعي، وقدرة المجتمع على إدارة احتجاج حضاري قائم على التنظيم الذاتي، ما أسهم في مراجعة تلك الإجراءات، وظلّ الحدث مثالًا على قدرة الحضور الشعبي (حين يتشكل بسلمية وتنظيم واضح) على التأثير وصون هوية المكان أمام أي محاولة لفرض واقع جديد أو تغيير ملامحه.
- تشييع الرموز ..
بدأت إحدى لحظات الوحدة الفارقة عام 2001 في تشييع القائد الفلسطيني فيصل الحسيني، حيث امتلأت القدس بأحيائها كافة، وتعاملت مع الوداع كجزء من إعادة تعريف هويتها، وبعد عقدين، تكرر المشهد في وداع الصحفية شيرين أبو عاقلة عام 2022، في حضور شعبي هو الأوسع منذ تشييع الحسيني، وقد عكس الحدث إحساسًا جمعيًا بأن رحيلها يلامس الوجدان العام مباشرة، وفي كلا الوداعين، أكدت المدينة قدرتها على تجاوز جراحها والالتفاف حول رموزها، وأن الهوية تُصان حين تتوحد الإرادة الشعبية في لحظة وجدانية جامعة تمنح المدينة قوة إضافية.
- القدس كملهمة للحراك الفلسطيني ..
تتجاوز القدس حدودها الجغرافية لتصبح محركًا دائمًا للتفاعل الشعبي الفلسطيني، إذ تنتقل رمزية ما يجري فيها إلى بيئات فلسطينية مختلفة، وقد أظهرت محطات مثل أحداث عام 2000 وأحداث الشيخ جرّاح عام 2021 أن التفاعل المقدسي يتحول إلى حالة وجدانية تربط الفلسطينيين عبر جغرافياتهم المختلفة، ويبرز ذلك أن حراك القدس ليس محليًا فحسب، بل جزء أصيلًا من الوعي الجمعي الفلسطيني الذي تتناقله الأجيال باعتباره امتدادًا لذاكرة مشتركة ورمزًا ثابتًا للمقاومة المدنية.
ثانيًا: لماذا تتراجع قوة الشارع أحيانًا؟
على الرغم من نماذج الحضور القوي، تشهد المدينة في بعض الفترات تراجعًا يرتبط بأعباء اجتماعية واقتصادية وسياسية متداخلة تؤثر في قدرة الناس على المشاركة المستمرة.
1. تأثير المتغيرات السياسية بعد أكتوبر 2023: فرضت التطورات المتسارعة محليًا وإقليميًا (خصوصًا بعد أكتوبر 2023) مناخًا عامًا من الحذر، ما قلّص مساحة الحركة وأضعف القدرة على المبادرة، وجعل المشاركة في الحراك قرارًا أكثر حساسية من أي وقت مضى.
2. الإنهاك الاجتماعي والاقتصادي: ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات سوق العمل يجعل المشاركة قرارًا يمر عبر حسابات الأمان الشخصي والأسري، ما يضعف القدرة على الاستجابة المتواصلة، ويدفع كثيرين إلى التراجع أو الترقب.
3. تراجع الأطر الاجتماعية التقليدية: تغير أنماط الحياة وضعف الروابط اليومية أضعف بعض البُنى التي لعبت تاريخيًا دورًا مهمًا في تنظيم الحراك، مثل المساجد، ولجان الأحياء، والعائلات، ما خلق فجوات واضحة في التنسيق المجتمعي.
4. غياب المرجعية الجامعة: لا يحتاج الشارع إلى قيادة سياسية مباشرة بقدر حاجته إلى إطار مجتمعي يمنح اللحظة وضوحًا واتساقًا. وفي غياب هذا الإطار، تتشتت المبادرات الفردية ويتزايد التردد، حتى في القضايا الواضحة التي تدركها الأغلبية.
ثالثًا: دروس الحراكات المتتابعة
تكشف التجارب أن الفعل الجماهيري في القدس يستند إلى مرتكزات رئيسية تمنحه قوته وتجعله قادرًا على التأثير في محطات حساسة ومتكررة.
1. وضوح الهدف: كلما كان الإجراء واضحًا ويمس حياة الناس أو مقدساتهم، اتسع التفاعل، فوضوح المظلومية يقلل مساحة التأويل ويعزز التوافق الشعوري بين مختلف فئات المجتمع.
2. وحدة الرواية: حين تتشكل قصة واحدة يرويها الناس لأنفسهم ولمن حولهم، كما في حراك البوابات وتشييع شيرين أبو عاقلة، يتولّد خطاب جمعي قادر على قيادة الفعل وتنظيمه بشكل فعّال.
3. الشعور بجدوى الحضور: تحتفظ الذاكرة المقدسية بمحطات أثّر فيها الحضور الشعبي، ما يعزز الإيمان بأن المشاركة تصنع فرقًا حقيقيًا، ويجعل الاستجابة فعلًا طبيعيًا يتجدد كلما استدعت اللحظة.
رابعًا: ما الذي تحتاجه القدس اليوم؟
تقود قراءة المشهد الراهن إلى احتياجات أساسية تمكّن المدينة من استعادة قوتها المجتمعية وترسيخ حضورها في الفضاء العام.
1. شبكات دعم اجتماعي قوية: لا ينهض الحراك دون قاعدة اجتماعية متماسكة تمنح الأفراد شعورًا بالأمان والانتماء، وتمكّن المجتمع من مواجهة التحديات بثقة أكبر.
2. تحويل الحراكات إلى ذاكرة تعليمية: ينبغي أن تتحول صور الحراك والصلاة الجماعية والتشييع إلى رواية تعليمية تُنقل للأجيال، بحيث تبقى جزءًا من الوعي الحي وتُسهم في حماية الذاكرة الجمعية.
3. إعادة تعريف الفعل الجماهيري: لم يعد الفعل الجماهيري محصورًا في الاحتجاج، بل يشمل مبادرات ثقافية، وحملات مجتمعية، وحضورًا واعيًا في الفضاء العام، وتعزيزًا للحوار المدني.
- حين يحضر الناس… تتغيّر ملامح اللحظة
يكشف تاريخ القدس أن الحضور الشعبي ليس تجمعًا بشريًا فقط، بل طاقة تعيد ترتيب العلاقة بين الناس والمكان، وحين يختار المجتمع المقدسي الحضور في شوارعه وساحاته، تتغير ملامح اللحظة، ويصبح الصوت الجماعي عنصرًا مؤثرًا في وعي المدينة وتعريفها المتجدد، وفي قدرتها على حماية ذاتها وذاكرتها ورمزيتها الثقافية.
Thu 13 Nov 2025 9:20 am - Jerusalem Time





Share your opinion
حين يتكلّم الشارع المقدسي "القوة المعلّقة بين حضور الجماهير وغيابها"