معروف الرفاعي: مستشار محافظ القدس
- في قلب المدينة المقدسة، خلف أسوارها العتيقة، تنبض الحياة بين أزقة البلدة القديمة وأسواقها التي كانت يوماً تضج بالحركة والسياح والحجاج من شتى بقاع الأرض، اليوم، ومع تراكم الأزمات التي عصفت بالمدينة — من جائحة كورونا، إلى الحرب المدمّرة على غزة، وصولاً إلى إغلاق القدس لمدة أسبوعين خلال الحرب الأخيرة مع إيران ، ومع منع اهل الضفة مسيحيين ومسلمين من دخول القدس — أصبح حال تجارها أشبه بمرآة تعكس عمق المعاناة التي يعيشها المقدسيون في ظل سياسات الخنق الاقتصادي والإجراءات الاحتلالية المتصاعدة.
تضم البلدة القديمة في القدس نحو 1400 محل تجاري، كانت تشكّل على مر العقود شريان الحياة الاقتصادية للمدينة وسكانها، إلا أن الصورة اليوم قاتمة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن 17% من هذه المحلات قد أغلقت أبوابها نهائياً، بعدما عجز أصحابها عن تحمّل أعباء الضرائب الباهظة والمخالفات والمصاريف التشغيلية.
وما تبقى من المحلات يعمل في ظروف قاسية، خصوصاً أن 462 منها تعتمد بشكل كامل على السياحة التي باتت شبه معدومة منذ سنوات، بسبب القيود الأمنية، وتدهور الأوضاع السياسية، وغياب الزوار الأجانب والحجاج المسلمين والمسيحيين.
يُثقل كاهل التجار المقدسيين نظامٌ ضريبي قاسٍ أشبه بالعقوبة الجماعية، إذ يدفع تجار البلدة القديمة ما يقارب تسع أنواع من الضرائب تشمل: الأرنونا، ضريبة الآرمات، ضريبة الدخل، وضريبة المبيعات بنسبة 18%، فضلاً عن مخالفات بلدية تصل أحياناً إلى 600 شيكل لمجرد إلقاء ورقة أو علبة مشروبات فارغة أمام المحل.
هذا الواقع حول التجارة في القدس إلى معركة يومية للبقاء، في وقت تغيب فيه أي مظلة دعم حقيقية من المؤسسات الرسمية أو الأهلية القادرة على تحمّل هذا العبء.
نتيجة لهذا الوضع، اضطر أكثر من 300 صاحب محل إلى ترك أعمالهم في محال البلدة القديمة والانتقال للعمل ليلاً في مدن الداخل المحتل، فقط لتأمين مصاريف محالهم والحفاظ على وجودها مفتوحة نهاراً.
فكل تاجر هنا يرى في محله التجاري ليس مجرد مصدر رزق، بل واجهة للهوية الوطنية الفلسطينية، وحارساً للوجود العربي الإسلامي والمسيحي في المدينة التي تحاول سلطات الاحتلال تهويدها عبر الاقتصاد والسياحة والسيطرة المكانية.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 35% من دخل بلدية الاحتلال يأتي من القدس الشرقية، وخصوصاً من ضرائب التجار المقدسيين، كما أن 34% من القوى العاملة في المدينة تعمل في قطاع السياحة بمكوناته المختلفة (الفنادق، المطاعم، المكاتب السياحية، السائقين، الأدلاء السياحيين).
ومع انهيار هذا القطاع بعد الحرب على غزة، تراجعت الحركة التجارية إلى أدنى مستوياتها منذ عقدين، فيما يزداد المشهد سوداوية مع كل إغلاق أو تصعيد أمني جديد.
وراء كل محل تجاري في البلدة القديمة هناك ثلاث أسر مقدسية على الأقل تعتمد على دخله، أي ما يزيد عن 4200 أسرة مهددة بفقدان مصدر رزقها الوحيد، فهؤلاء التجار لا يملكون سوى إرادتهم وارتباطهم العميق بالمدينة، حيث يصرّ كل صباح 1400 مفتاح محل على نزول درجات باب العامود باتجاه الأسواق، في فعل يومي للمقاومة الاقتصادية والثقافية والوجودية.
إنقاذ تجار المدينة المقدسة لم يعد ترفاً، بل ضرورة وطنية وإنسانية، ولتحقيق ذلك، نطرح مجموعة من التوصيات العملية القابلة للتنفيذ:
1. تأسيس صندوق وطني لدعم صمود التجار المقدسيين، يساهم في تغطية فواتير الكهرباء والمصاريف التشغيلية الأساسية للمحال التجارية.
2. إطلاق سوق إلكتروني (منصة الكترونية) للتجارة المقدسية، يتيح للتجار بيع منتجاتهم عبر الإنترنت للوصول إلى الأسواق المحلية والعربية والدولية.
3. تنفيذ مشاريع ترميم وتجميل للأسواق والمحلات تشمل تغيير الواجهات، والأبواب، والشبابيك، والرفوف المتهالكة، بما يعزز الجذب السياحي لاحقاً.
4. تفعيل برامج القروض الصغيرة بلا فوائد لتمكين التجار من إعادة تشغيل محالهم وتوظيف العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم.
5. فتح المجال امام تجار البلدة القديمة من أصحاب الحرف اليدوية من نحاسيات وخشب وصدف وتطريز، وهدايا، وغيرها، للمشاركة في المعارض الدولية الخارجية وتغطية تكاليف مشاركاتهم، لإنعاش وضعهم الاقتصادي، وتسويق بضائعهم في الخارج.
ما يجري في أسواق القدس ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل معركة هوية ووجود، إذ أن بقاء هذه المحلات مفتوحة يعني بقاء الهوية الفلسطينية العربية الإسلامية والمسيحية حاضرة في وجه سياسات التهويد والإقصاء.
*إن كل محل يُفتح صباحاً في أسواق القدس هو إعلان يومي بأن المدينة لا تزال تنبض بالحياة، وأن المقدسيين، رغم الجوع والضرائب والقيود، لن يسلموا مفاتيحهم إلا للحرية.*





Share your opinion
تجار القدس بين الأزمات والحصار الاقتصادي…انقذوا شريان المدينة المقدسة وهويتها