بعد أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على فوزه الساحق في انتخابات بلدية نيويورك يوم الثلاثاء 4 تشرين الثاني 2025، وجد عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني نفسه في قلب معركة سياسية مبكرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي شنّ هجوماً حاداً عليه في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" مساء الأربعاء 5 تشرين الثاني.
وقال ترمب في المقابلة: "لن أسمح لهذا الشيوعي بأن يدمّر نيويورك بأجندته الاشتراكية الفاشلة. المدينة بحاجة إلى القانون والنظام، لا إلى يساريين حالمين يريدون تحويلها إلى كوبا جديدة".
تصريح ترمب، الذي تردّد صداه في وسائل الإعلام اليمينية، لم يكن مفاجئاً لممداني. فقد ردّ عليه في مؤتمر صحفي صباح الخميس (6/11/2025) قائلاً: "تهديدات الرئيس (ترمب) كانت متوقعة. هذا الخطاب يعكس خوف النخبة المالية من مدينة تُدار لمصلحة سكانها لا لمصلحة أصحاب المليارات. وأنا أؤكد أنني سأحكم نيويورك كما وعدت، بالعدل، والشفافية، وبخدمة الطبقات العاملة والمستأجرين".
هكذا بدأت المواجهة العلنية بين اثنين يمثلان اتجاهين متناقضين في السياسة الأميركية: رئيس يميني قومي يتبنى نهج السلطة والقوة، وعمدة تقدمي اشتراكي يؤمن بالعدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية.
رأس المال يبدأ الردّ
منذ إعلان النتائج، سادت حالة من التوتر في أوساط المال والأعمال في مانهاتن. فبرنامج ممداني الاقتصادي - الذي يدعو إلى فرض ضرائب على الشقق الفارغة، وتوسيع الإسكان العام، وتقييد المضاربات العقارية - أثار قلق المستثمرين الكبار.
وقد أشارت تقارير محلية إلى أن بعض كبار المطوّرين العقاريين يدرسون تعليق مشاريعهم الجديدة مؤقتاً بانتظار "وضوح الرؤية"، وهي عبارة تُستخدم عادة للتغطية على ما يُعرف بالإضراب الرأسمالي: ضغط اقتصادي منسّق يهدف إلى معاقبة الحكومة المنتخبة على سياساتها الاجتماعية.
ويخشى مراقبون أن يتسبّب هذا الإبطاء المتعمّد في سوق العقارات بتراجع الإيرادات الضريبية، ما يمنح خصوم ممداني مادة دعائية لتصويره كسبب للأزمة، رغم أن الأزمة ستكون من صنع أيديهم.
الإعلام يدخل المعركة
هجوم ترمب فتح الباب أمام موجة واسعة من التحريض الإعلامي. فقد خصصت شبكة "فوكس نيوز" برامجها لاتهام ممداني بأنه "خطر على الاقتصاد" و"عدو الشرطة"، فيما كتبت صحيفة "نيويورك بوست" أنه "يهدد بتحويل المدينة إلى مختبر اشتراكي فاشل".
لكن اللافت أن بعض الصحف "الليبرالية" انضمت إلى الجوقة بشكل أكثر نعومة، متسائلةً ما إذا كانت خطط العمدة الجديد "واقعية" و"ممكنة التنفيذ".
هذا التناغم بين الإعلام اليميني والمالي يؤشر إلى أن معركة ممداني لن تكون فقط مع إدارة ترمب، بل أيضاً مع شبكة النفوذ الإعلامي التي تصوغ الرأي العام وتحدد حدود الممكن سياسياً.
التهديد الفدرالي يلوح
في واشنطن، يملك ترمب أدوات كثيرة للضغط على المدينة. فالحكومة الفدرالية تستطيع تعليق منح الإسكان والنقل، أو فتح تحقيقات مالية مع بلدية نيويورك، أو تضييق الخناق على سياسات اللجوء التي يتبناها ممداني.
وإذا نُفذت هذه الإجراءات، فستتحول المواجهة إلى معركة مفتوحة بين البيت الأبيض وبلدية نيويورك ، وما قد يرافق لك من شلل إداري واحتقان سياسي.
لكن ممداني يبدو مستعداً لهذه الجولة. فقد قال في كلمة مساء الخميس: "نيويورك صمدت في وجه الأزمات من قبل، وستصمد الآن. قوتنا في وحدتنا، لا في تهديدات من يخاف من العدالة الاجتماعية".
التحدي المقبل
يتفق المراقبون على أن ممداني، رغم فوزه الكاسح، يواجه أصعب مرحلة في حياته السياسية. فالنظام المالي والإعلامي والفدرالي في الولايات المتحدة لا يتسامح عادة مع القادة الذين يحاولون تحدّي قواعد اللعبة الرأسمالية.
ومع ذلك، يبدو العمدة الجديد مصمّماً على المضي قدماً في تنفيذ برنامجه القائم على "إعادة توزيع القوة والثروة في المدينة".
لقد اختار سكان نيويورك أن يمنحوا أصواتهم لمرشح يؤمن أن العدالة أهم من الأرباح، وأن السكن حق لا سلعة. أما الطبقة المليارديرية، وعلى رأسها ترمب، فتستعد للردّ بكل ما تملك من أدوات.





Share your opinion
ترمب يهاجم، وممداني يتحدّى وبوادر معركة مبكرة على مستقبل نيويورك