واشنطن - "القدس" دوت كوم– سعيد عريقات
تعمل الولايات المتحدة حالياً على تمرير مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يهدف إلى إنشاء قوة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة، تكون لها سلطة إدارة قطاع غزة لفترة لا تقل عن عامين، تمتد حتى نهاية عام 2027. المشروع الذي يجري تداوله في أروقة الأمم المتحدة، يشكّل تحولاً كبيراً في مقاربة واشنطن للملف الغزّي، إذ لا يقتصر على وقف القتال أو إيصال المساعدات الإنسانية، بل يتعدى ذلك إلى إقامة إدارة انتقالية كاملة تتولى الأمن والإدارة المدنية في القطاع.
وتقترح المسودة الأميركية إنشاء ما يُعرف بـ”قوة الاستقرار الدولية” (International Stabilization Force – ISF)، تكون مهمتها تأمين الحدود بين غزة وكلٍّ من إسرائيل ومصر، وضمان حماية المدنيين وطرق الإمداد الإنسانية، إضافة إلى تدريب جهاز شرطة فلسطيني جديد قادر على حفظ الأمن الداخلي. كما تنص المسودة على تفكيك البنى العسكرية والتنظيمات المسلحة، ومنع إعادة بناء أي بنية تحتية ذات طابع عسكري أو هجومي، بما يعني عملياً تجريد القطاع من السلاح تحت إشراف دولي.
ووفقاً للمعلومات المسرّبة، فإن القوة المقترحة لن تكون "قوة حفظ سلام" تقليدية، بل “قوة تنفيذ وإنفاذ” تملك صلاحيات أوسع في استخدام القوة عند الضرورة، ما يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول حدود تفويضها وآليات محاسبتها. ويشير المشروع إلى إنشاء هيئة مدنية انتقالية موازية تُعرف باسم "مجلس السلام" أو "الهيئة الانتقالية للحكم"، تتولى الإشراف على إدارة الشؤون اليومية لسكان غزة بالتنسيق مع القوة الدولية. ومن المقرر، بحسب المشروع، أن تبدأ عملية الانتشار الميداني في مطلع العام المقبل، فور موافقة المجلس وتوفر الدول الراغبة بالمشاركة.
ويعكس هذا المقترح الأميركي توجهاً نحو تدويل إدارة غزة مؤقتاً، في ظل غياب توافق فلسطيني داخلي حول من يتولى السلطة بعد الحرب، ورفض إسرائيل عودة حركة "حماس" إلى الحكم. ويبدو أن واشنطن تراهن على صيغة انتقالية تتيح إعادة بناء المؤسسات الأمنية والمدنية، تمهيداً لعودة سلطة فلسطينية "مجددة" في مرحلة لاحقة. غير أن هذا التوجه يثير اعتراضات محتملة من عدة أطراف، منها روسيا والصين داخل مجلس الأمن، فضلاً عن تحفظات عربية ترى في المشروع مساساً بالسيادة الفلسطينية وتكريساً لوصاية دولية طويلة الأمد.
ويواجه المشروع أيضاً تحديات على الأرض، أبرزها من سيتولى المشاركة في القوة الدولية، وما إذا كانت الدول الغربية أو الإقليمية ستقبل بإرسال قوات إلى ساحة مليئة بالتوتر والمخاطر. كما تبرز أسئلة حول علاقة هذه القوة بإسرائيل ومصر، اللتين نصّ المشروع على التنسيق الوثيق معهما، وهو ما قد يُضعف من استقلالية القرار الدولي ويمنح تل أبيب نفوذاً غير مباشر داخل القطاع. كذلك، لم يوضح النص بعد آلية الانتقال النهائي بعد انتهاء السنتين، أو الجهة التي ستتسلم الحكم لاحقاً.
ومن الناحية الإنسانية والسياسية، يروّج مؤيدو المبادرة الأميركية لفكرة أن الإدارة الدولية المؤقتة قد تكون السبيل الوحيد لإعادة الإعمار، ووقف الانهيار الكامل للبنية المدنية في غزة. إلا أن معارضيها يرون أنها قد تفتح الباب أمام وصاية خارجية طويلة، وتهميش للقيادة الفلسطينية الشرعية، وتحويل القطاع إلى منطقة خاضعة للأمن الدولي من دون أفق سياسي واضح.
في المجمل، يمثل المشروع الأميركي لإدارة غزة عبر مجلس الأمن محاولة لإعادة صياغة مستقبل القطاع ضمن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، تجمع بين الإدارة المدنية والإشراف العسكري الدولي. غير أن مصيره سيعتمد على التوازنات داخل مجلس الأمن، وعلى قدرة واشنطن في إقناع الحلفاء والخصوم بأن هذه الصيغة ليست احتلالاً جديداً بوجه دولي، بل مرحلة انتقالية نحو تسوية دائمة تضع حداً لعقود من الحصار والحروب المتكررة في غزة
في ضوء موازين القوى داخل مجلس الأمن، يبدو أن المشروع الأميركي سيواجه تعديلات جوهرية قبل أي احتمال لاعتماده. فبينما يُتوقع أن تدعمه بريطانيا وفرنسا باعتباره خطوة نحو "استقرار غزة"، تتحفّظ الصين وروسيا على تفويض واسع لقوة تقودها واشنطن، وتطالبان بإشراف مباشر من الأمم المتحدة ومشاركة أوسع للدول العربية.
أما الموقف العربي فيتسم بالحذر؛ فمصر والأردن ترفضان أي وجود عسكري دولي لا يضمن دوراً فعّالاً للسلطة الفلسطينية، ودول الخليج تدعم إعادة الإعمار لكنها تخشى أن يُكرّس انفصال غزة عن الضفة أو يُقصي التمثيل الفلسطيني.
من المرجّح أن يخضع المشروع لمفاوضات مطوّلة تنتهي بتقليص صلاحيات القوة المقترحة وتحويلها إلى بعثة مراقبة محدودة. وسيعتمد مصيره في النهاية على قدرة واشنطن على تحقيق توازن بين الأمن والسيادة الفلسطينية، وإلا سيبقى مجرّد مبادرة سياسية بلا تنفيذ فعلي





Share your opinion
واشنطن تسعى لحكم غزة لعامين عبر مجلس الأمن الدولي