واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات
منذ السابع من تشرين الأول 2023 ، لم يعد الشرق الأوسط كما كان. ففي ذلك اليوم انقلبت معادلات راسخة وسقطت يقينيات ظلّت ثابتة لعقود. لم يكن ما جرى مجرد هجوم عسكري مباغت، بل حدث مفصلي أنهى مرحلة طويلة من محاولات تهميش القضية الفلسطينية، وأطلق موجة جديدة من الأسئلة حول معنى القوة، وشرعية الاحتلال، ومستقبل الدولة العبرية ذاتها.
فلسنوات سبقت ذلك اليوم، كانت القضية الفلسطينية تتراجع في الوعي العربي والدولي. اتفاقات التطبيع توالت، والمجتمع الدولي اكتفى بإدارة الصراع بدل البحث عن حله، والعالم انشغل بأزماته الأخرى. بدا أن فلسطين تُطوى ببطء في ذاكرة السياسة. غير أن ما جرى في السابع من تشرين الأول أعاد قلب المعادلة: فجأة، عادت فلسطين إلى واجهة الأخبار، إلى الشوارع والجامعات والمظاهرات، وإلى الضمير العالمي. لم تعد "قضية منسية"، بل عادت جرحاً مفتوحاً يطالب العالم بأن يراه من جديد.
رغم الكارثة الإنسانية التي أعقبت تلك اللحظة، أثبت الفلسطينيون أنهم أكثر تجذّراً في أرضهم مما تصوّر خصومهم. تحت الحصار والقصف، ووسط الركام، واصل الناس حياتهم بما تبقّى من وسائلهم البسيطة. الأطفال عادوا إلى الحواري المدمرة والصفوف المدرسية في بقايا خيام، والأسر أعادت بناء ما يمكن ترميمه من صفائح الردم، والمجتمع صمد في وجه محاولات الاقتلاع المتكررة. لقد تحوّل البقاء ذاته إلى فعل مقاومة، وصار الوجود على الأرض أبلغ من أي شعار سياسي.
لكن السابع من تشرين الأول لم يكن اختباراً للفلسطينيين وحدهم، بل أيضاً لحقيقة إسرائيل نفسها. أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر" سقطت خلال ساعات، والمؤسسة الأمنية التي طالما قُدّمت كالأكثر تفوقاً وجاهزية ظهرت عاجزة ومفككة. لم يكن الانهيار عسكرياً فحسب، بل نفسياً وسياسياً أيضاً. الهجوم زعزع صورة الدولة التي لطالما قدّمت نفسها كحصنٍ منيع وسط بحرٍ من الأعداء، وفتح الباب أمام شكوكٍ عميقة في الداخل حول طبيعة المشروع الصهيوني ومستقبله.
في الوقت ذاته، تكشّف حجم اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة وحلفائها. فالمساعدات العسكرية والغطاء السياسي في مجلس الأمن، والتدفق المستمر للدعم المالي، أثبتت أن إسرائيل لا تستطيع خوض حرب طويلة من دون هذا الإسناد الخارجي. السياسيون الأميركيون والإسرائيليون يصرن أن إسرائيل هي ليست محمية رسمية، لكنها دولةٌ تعيش داخل شبكة دعمٍ غربية تشبه إلى حدٍّ بعيد أجهزة إنعاشٍ سياسية واقتصادية. هذه الحقيقة لا تنتقص من وجودها الحالي، لكنها تكشف حدود استقلال قرارها.
أما المستوطنون الذين عاشوا عقوداً في ظلّ الأمن المطلق، فقد وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام الخوف. نزح كثيرون من مناطقهم الحدودية، وأدركوا أن المشروع الاستيطاني مهما توسّع يبقى هشاً أمام جغرافيا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المفتوح. لأول مرة منذ عقود، بات الخوف مشتركاً بين المحتل والمحتَلّ، وإن اختلفت دوافعه ودرجاته.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عامٍين على تلك اللحظة الفاصلة، يتّضح أن ما تبدّل يتجاوز كثيراً حدود الحسابات العسكرية والسياسية. فالقضية الفلسطينية استعادت جوهرها الأول؛ إذ عادت الحرية لتتجسد كحقٍّ أصيلٍ لا يسقط بالتقادم، وعاد البقاء ليُقرأ بوصفه فعلاً إرادياً يتحدى موازين القوة ولا يخضع لها. أما إسرائيل، فرغم احتفاظها بتفوّقها العسكري، فقد دخلت طور الشكّ في ذاتها: أزمة ثقة داخلية تتعمّق، عزلة دولية تشتد، وتآكل متدرّج في سردية "الاستثناء" التي طالما قدّمتها لتبرير وجودها.
لقد كان السابع من تشرين الأول أكثر من حدثٍ عسكري أو سياسي؛ كان لحظة تصحيحٍ لمسار التاريخ نفسه. ففيه استيقظت القضايا التي ظُنّ أنها انتهت، واستعاد الصراع معناه الجوهري بوصفه معركة على الوجود والذاكرة والكرامة الإنسانية. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد فلسطين قضية هامشية، بل عادت لتحتل مركز الوعي الإنساني والسياسي، وتفرض حضورها على خرائط العالم مجدداً. فما جرى لم يُنهِ الصراع، لكنه بدّد وهم تصفية القضية الفلسطينية، وأثبت أن الشعوب، مهما طال خفوتها، تمتلك دائماً القدرة على النهوض حين تناديها اللحظة التاريخية.





Share your opinion
إعادة ترتيب الوعي العربي والدولي وفتح مرحلة جديدة من الصراع