Tue 28 Oct 2025 12:35 pm - Jerusalem Time

الإعلان الدستوري.. تباين آراء المحللين حول معاني الخطوة ودلالاتها

رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم -

د. سهيل دياب: إصدار الإعلان الدستوري ربما خطوة استباقية أمام تداول اسم البرغوثي مرشحاً محتملاً لقيادة المرحلة المقبلة

أكرم عطا الله: استجابة كاملة لمطالب عربية بإصلاح النظام السياسي بما يضمن استمرارية السلطة في حال حدوث فراغ

د. قصي حامد: "هروبٌ إلى الأمام" من استحقاقات الإصلاح في ظل غياب الوفاق الوطني وتَعطُّل المؤسسات السياسية للدولة

نبهان خريشة: المرسوم يتضمن صيغة شرعية لتكريس "توريث سياسي مقنّع" بدلاً من إرساء مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة

د. رائد أبو بدوية: محاولة لإعادة صياغة هرم السلطة بما يضمن انتقالًا سلسًا داخل الدائرة الضيقة للقيادة الحالية بعيداً عن التوافق

عوني المشني: المرسوم يُعمّق الأزمة ويؤبد الانقسام السياسي ويفتح الباب أمام نشوء أُطر موازية قد تسعى لملء الفراغ السياسي

 تثير خطوة إصدار الرئيس محمود عباس إعلاناً دستورياً رئاسياً يقضي بتولي نائب الرئيس مهامه في حال غيابه، جدلاً واسعاً، ليضع النظام السياسي الفلسطيني أمام منعطف حاسم. 

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن تأثير المرسوم لا يقتصر على الداخل الفلسطيني فحسب، بل يعكس ضغوطًا دولية وإقليمية شديدة لتأمين استمرارية السلطة، خصوصًا مع تداول أسماء بارزة لخلافة الرئيس، وهو ربما سرّع الإجراءات لضمان انتقال سلس للسلطة داخل دائرة القيادة الحالية، بعيدًا عن العملية الديمقراطية المفتوحة.

ويشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن الحل الحقيقي يبقى مرتبطًا بالحوار العميق بين الأطراف الفلسطينية كافة وإجراء انتخابات حرة تمنح الشعب الكلمة الفصل، ليقرر مستقبله السياسي بعيدًا عن الصيغ القانونية الفضفاضة والسيطرة الفردية على مفاصل السلطة.

 

دلالات سياسية عميقة تعكس واقعاً معقداً

 

يؤكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور سهيل دياب أن المرسوم الرئاسي الذي ينص على تولي نائب الرئيس مهامه في حال غياب الرئيس، سواء أكان صائباً أم مثيراً للجدل، يحمل في توقيته ومضمونه دلالات سياسية عميقة، تعكس واقعاً فلسطينياً معقداً يمرّ بحالة من المخاض والارتباك بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، ومحاولات للبحث عن كيفية الانتقال من المرحلة الراهنة إلى مرحلة سياسية جديدة.

ويوضح أن هذا القرار يشير إلى حالة توتر داخل النظام السياسي الفلسطيني، سواء داخل منظمة التحرير أو داخل حركة "فتح"، حيث تتعدد الرؤى حول كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة. 

وبحسب دياب، فإن هناك تياراً يدعو إلى تعزيز الطابع الجماعي للعمل الوطني، والحفاظ على دور المؤسسات التشريعية، كالمجلس التشريعي والمجلس الوطني، لتبقى صاحبة الكلمة الفصل في أي تغييرات سياسية مستقبلية، وفي المقابل، يقف تيار آخر يدفع نحو تركيز السلطة بيد الأطراف المتنفذة، مفضلاً النهج الفردي والشخصي على حساب العمل المؤسسي التوافقي.

ويشير دياب إلى أن المرسوم الرئاسي جاء كذلك نتيجة تراكم ضغوطات سياسية إقليمية ودولية على القيادة الفلسطينية، من إسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية مؤثرة، في محاولة لإعادة رسم المشهد الفلسطيني بعد حرب غزة. 

ويرى أن القرار يعبر عن استجابة لهذه الضغوط، ويهدف في الوقت ذاته إلى فرض أمر واقع جديد يعيد ترتيب موازين القوى بين الفصائل الفلسطينية قبل الدخول في أي تفاهمات أو تسويات قادمة.

ويعتبر دياب أن تسارع إصدار الرئيس محمود عباس المرسوم أو الإعلان الدستوري قد يرتبط أيضاً بخطوة استباقية أمام تداول اسم الأسير مروان البرغوثي في الأسابيع الأخيرة كأحد أبرز المرشحين المحتملين لقيادة المرحلة المقبلة، ما دفع بعض الأطراف للضغط نحو تسريع إجراءات تضمن ضبط مسار الخلافة داخل النظام السياسي، وتفادي بروز سيناريوهات لا ترغب بها أطراف إقليمية أو دولية ومن ضمنها سيناريو بروز البرغوثي.

وبحسب دياب، فإن جميع هذه العوامل -الداخلية والخارجية- أسهمت في صياغة القرار الأخير، الذي يعكس حالة "الارتباك البنيوي" التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني حالياً، ويعبّر عن نهاية مرحلة تاريخية لقيادات الجيل المؤسس وبداية مرحلة انتقالية نحو قوى جديدة، معظمها من الأجيال الشابة، لكنها لا تزال تواجه "مرحلة قيادات الظل"، أي استمرار نفوذ الجيل القديم إلى حين اكتمال التحول القيادي.

 

العودة إلى تفاهمات القاهرة وموسكو وبكين

 

ويدعو دياب إلى أن يكون المخرج من هذا المشهد عبر العودة إلى تفاهمات القاهرة وموسكو وبكين بين الفصائل، مشدداً على ضرورة عدم تحويل المرسوم إلى نقطة خلاف جديدة تُعرقل التفاهمات الوطنية الأخيرة. 

ويؤكد أن الطريق الوحيد لضمان الاستقرار يتمثل في الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة منظمة التحرير، قائمة على أساس برنامج سياسي واقعي يضمن وحدة الجغرافيا الفلسطينية بين الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ويمهد لإجراء انتخابات حرة يقرر فيها الشعب الفلسطيني قياداته الشرعية.

ويعتقد دياب أن المرحلة الراهنة دقيقة للغاية، وتتطلب حواراً عميقاً داخل كل فصيل، وبين مختلف الفصائل والشعب الفلسطيني.

وبحسب دياب، فإن "الطريق الوحيد لحسم الخلافات هو الخيار الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع، باعتباره المدخل الحقيقي لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وشعبية سليمة".

 

خطوة شديدة الأهمية في المشهد السياسي 

 

يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن المرسوم الرئاسي الأخير بشأن تولي نائب الرئيس لمهامه في حال غيابه يُعد خطوة شديدة الأهمية في المشهد السياسي، مشيراً إلى أنه يأتي مكمّلاً لخطوة سابقة تمثلت في الاستجابة للضغوط العربية بتعيين حسين الشيخ نائباً للرئيس محمود عباس.

ويوضح أن منصب نائب الرئيس في السابق لم يكن يعني تلقائياً أن يتولى نائبه مهام الرئيس في حال غيابه أو شغور المنصب، إذ كان هذا الأمر يُحال إلى المجلس الوطني أو غيره من الأطر القيادية لمنظمة التحرير، ما جعل آلية الانتقال غير واضحة. 

لكن المرسوم الجديد -بحسب عطا الله- حسم هذه المسألة نهائياً، وجعل من نائب الرئيس، وهو في الوقت نفسه نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الشخصية المخوّلة تلقائياً بتولي مهام الرئيس عند غيابه لأي سبب.

ويشير عطا الله إلى أن هذا المرسوم يشكّل استجابة كاملة لمطالب عربية كانت تضغط باتجاه إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وفي جوهرها تثبيت موقع حسين الشيخ في هرم السلطة إلى جانب الرئيس عباس، بما يضمن استمرارية السلطة في حال حدوث فراغ سياسي أو إداري. 

 

المرحلة المقبلة قد تشهد تغييرات في بنية السلطة

 

ويرى عطا الله أن هذا التطور يعكس مؤشراً واضحاً على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغييرات جوهرية في بنية السلطة الفلسطينية، في ظل تسارع الأحداث والجهود الرامية إلى إعادة هيكلة النظام السياسي.

ويعتبر أن الحالة الفلسطينية تعاني منذ سنوات من غياب الوفاق الوطني، وهو غياب مستمر منذ أكثر من 18 عاماً، ما جعل الانقسام جزءاً من المشهد العام، غير أن وجود مؤسسة وطنية مثل منظمة التحرير، رغم ضعفها، يُبقي على الحد الأدنى من تماسك النظام السياسي. 

ويشدّد عطا الله على أن استكمال هيكلة هذه المؤسسات وتحديد آليات انتقال السلطة يشكّل ضرورة وطنية، لضمان عدم انهيار النظام أو غياب السلطة بشكل كامل في حال غياب الرئيس، مؤكداً أن المرسوم الأخير يمهّد لهذه المرحلة الحساسة من تاريخ النظام السياسي الفلسطيني.

 

سياقات محلية وإقليمية ودولية متشابكة

 

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن المرسوم الرئاسي الصادر أخيراً، الذي ينص على تكليف نائب الرئيس حسين الشيخ تولي مهام الرئيس محمود عباس في حال غيابه، يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز البعد الإداري والدستوري، مشيراً إلى أنه لم يكن قراراً مفاجئاً، بل جاء في سياقات محلية وإقليمية ودولية متشابكة.

ويوضح حامد أن القرار يُعد خطوة استباقية تهدف إلى تجنّب أي فراغ سياسي محتمل في قمة الهرم القيادي، وضمان انتقال سلس للسلطة في حال غياب الرئيس. 

ويشير حامد إلى أن المرسوم يمثل إعادة تعريف لآلية انتقال السلطة، خصوصاً في ظل تعطّل المجلس التشريعي، وتضارب الصلاحيات المحتمل بين نائب الرئيس ورئيس المجلس الوطني في حال حدوث شغور في موقع الرئاسة.

ويبيّن أن المرسوم يندرج في إطار إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، بحيث يتم تحديد جهة واضحة تتولى الرئاسة مؤقتاً عند الحاجة، ما يمنع أي فراغ دستوري أو نزاع على الصلاحيات.

وفي السياقين الإقليمي والدولي، يعتقد حامد أن القرار جاء أيضاً استجابة لضغوط عربية ودولية مورست على القيادة، لا سيما على الرئيس عباس، بهدف نقل جزء من صلاحياته إلى نائبه حسين الشيخ. 

ويؤكد حامد أن بعض الدول العربية دفعت في اتجاه تمكين السلطة من إعادة تقديم نفسها كجسم سياسي قادر على لعب دور فاعل في المرحلة المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بترتيبات "اليوم التالي" في قطاع غزة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تُقرأ كضمانة لتأمين استمرارية السلطة في حال حدوث أي تغييرات طارئة على رأس هرم القيادة.

كما يؤكد أن السلطة تحاول من خلال هذا القرار إعادة تموضعها سياسياً، لتظهر كفاعل محتمل في مستقبل غزة، في ظل محاولات إسرائيلية- أميركية لفرض وصاية على القطاع دون أي دور فلسطيني مباشر، سواء للسلطة أو للفصائل. 

ويرى حامد أن هذا القرار يعكس محاولة من القيادة الفلسطينية لاستعادة موقعها في المشهد السياسي الإقليمي بعد سنوات من التهميش.

 

تعميق الانقسام الداخلي وتكريس الأزمة البنيوية

 

ومع ذلك، يشدد حامد على أن هذه الخطوة لا تمثل معالجة حقيقية لجذور الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي، بل قد تعمّق الانقسام الداخلي وتكرّس الأزمة البنيوية التي تعصف بالحياة السياسية منذ أكثر من 18 عاماً. 

ويشير إلى أن المرسوم يشكّل "هروباً إلى الأمام" من استحقاقات الإصلاح الحقيقي، في ظل غياب الوفاق الوطني وتعطل مؤسسات النظام السياسي للدولة.

ويؤكد حامد أن ما تحتاجه الحالة الفلسطينية اليوم هو إعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية تشاركية، قادرة على مواجهة التحديات الوجودية، وفي مقدمتها السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى الضم وفرض السيطرة على الضفة الغربية.

وبحسب حامد، فإن القرار يعكس في أحد أبعاده صراعاً داخلياً على خلافة الرئيس داخل حركة "فتح"، ويصب في مسار تمهيد الطريق أمام نائب الرئيس حسين الشيخ لتولي المنصب في حال شغوره، بما ينسجم مع التوجه العام للقيادة في هذه المرحلة الحساسة، لكنه في الوقت ذاته يغلق الباب أمام بروز قيادات بديلة قد تلعب أدواراً مختلفة في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

 

تجاوز الإطار القانوني إلى أبعاد سياسية أعمق

 

يؤكد الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن المرسوم الدستوري يشكّل محطة سياسية بالغة الأهمية في مسار النظام السياسي الفلسطيني، الذي يعيش حالة من التأزم والجمود منذ سنوات طويلة.

ويوضح خريشة أن المرسوم، رغم ما يتضمنه من صياغات تبدو قانونية ودستورية في ظاهرها، فإن مضمونه وتوقيته يكشفان سياقات سياسية ضاغطة تتجاوز الإطار القانوني إلى أبعاد سياسية أعمق. 

ويشير إلى أن القرار جاء في ظل ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب عدد من العواصم العربية، التي دفعت باتجاه إصلاح بنية الحكم وتجديد الشرعيات داخل النظام الفلسطيني كشرط مسبق لأي دعم سياسي أو اقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب على غزة.

ويبيّن أن تلك الأطراف الدولية والإقليمية ترى في غياب آليات واضحة لانتقال السلطة تهديداً مباشراً للاستقرار، ليس فقط في الضفة الغربية، بل على مستوى الإقليم عموماً، حيث يُنظر إلى السلطة الفلسطينية كأداة ضرورية لإدارة المرحلة المقبلة ضمن ما يسميه البعض (إعادة تأهيل السلطة). 

ومن هذا المنطلق، فإن المرسوم –بحسب خريشة– يمثل رسالة طمأنة للخارج بأن انتقال السلطة سيكون منظماً، ولن يترك فراغاً سياسياً في الحالة الفلسطينية حال غياب الرئيس.

 

ثغرات لغوية وسياسية متعمدة

 

لكن خريشة يلفت إلى أن القراءة الدقيقة لبنود المرسوم تكشف ثغرات لغوية وسياسية متعمدة، أبرزها ما ورد في نص القرار حول "إمكانية تمديد فترة تولي نائب الرئيس لمهام الرئاسة لثلاثة أشهر أخرى إذا تعذّر إجراء الانتخابات لأسباب قاهرة". 

ويرى خريشة أن هذه العبارة الفضفاضة تمنح المجال لتأويلات واسعة، قد تتيح التمديد غير المحدود للفترة الانتقالية بحجة الظروف الأمنية أو الانقسام الداخلي أو الاحتلال، ما يجعلها – عملياً – صيغة شرعية لتكريس "توريث سياسي مقنّع" بدلاً من إرساء مبدأ التداول الديمقراطي للسلطة.

ويشير خريشة إلى أن تضمين المرسوم عبارات تتحدث عن الديمقراطية والوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة، يعكس تناقضاً واضحاً بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، إذ يعيش النظام السياسي الفلسطيني منذ أكثر من 15 عاماً في غياب للانتخابات العامة واستمرار الانقسام بين الضفة وغزة، مع تآكل مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في آن واحد. 

ويرى أن أي حديث عن "شرعية دستورية" في ظل غياب التوافق الوطني والإرادة الشعبية يبقى ناقصاً ومفرغاً من محتواه.

ويؤكد خريشة أن دلالات هذا المرسوم تتجاوز مجرد تنظيم عملية الخلافة داخل السلطة، لتعبّر عن أزمة الشرعية الفلسطينية في لحظة حرجة تهدد الكيانية الوطنية نفسها، وسط تزايد الضغوط الخارجية وتراجع الثقة الداخلية. 

ويعتقد خريشة أن السلطة تسعى من خلال هذا المرسوم إلى هندسة انتقال محسوب للقيادة يضمن استمراريتها، أكثر مما يفتح الباب أمام تجديد حقيقي للنظام السياسي.

ويؤكد أن أي إصلاح أو إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق عبر المراسيم وحدها، بل من خلال التوافق الوطني والاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

أما الإبقاء على صيغ قانونية فضفاضة تُشرعن بقاء القيادة الحالية دون تجديد شرعي، فيعني –بحسب خريشة– تأجيل الأزمة لا حلها، وربما تحويل السلطة تدريجياً إلى كيان إداري بيروقراطي يخضع لحسابات الخارج أكثر مما يُعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني.

 

 

هندسة مقصودة لضمان استمرار النظام القائم

 

يوضح أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، د.رائد أبو بدوية، أن المرسوم الرئاسي الأخير الذي أصدره الرئيس محمود عباس، والقاضي بتولي نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ مهام الرئاسة مؤقتًا في حال شغور المنصب، يعكس حالة من "الهندسة السياسية المقصودة" لضمان استمرارية النظام القائم أكثر مما يعبر عن تنظيم دستوري حقيقي.

ويوضح أبو بدوية أن المرسوم، الذي يمنح نائب الرئيس صلاحيات مؤقتة لمدة تسعين يومًا لحين إجراء الانتخابات الرئاسية، لا يمكن قراءته بمعزل عن التوقيت السياسي الدقيق الذي صدر فيه، إذ يأتي في لحظة فلسطينية بالغة الارتباك بعد حرب غزة، وفي ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية لترتيب مرحلة "اليوم التالي للرئيس عباس".

ويرى أبو بدوية أن القرار يعيد توزيع مراكز القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني، وينقل ثقل الشرعية إلى منظمة التحرير بدلاً من المجلس التشريعي المعطل، ما يجعل من حسين الشيخ محورًا رئيسيًا في معادلة الخلافة السياسية. 

وبحسب أبو بدوية، فإنه بذلك، يبدو المرسوم أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة هرم السلطة بما يضمن انتقالًا سلسًا داخل الدائرة الضيقة للقيادة الحالية، بعيدًا عن التوافق الوطني أو العملية الانتخابية الشاملة.

ويؤكد أبو بدوية أن ما يظهر كـ"شرعية مؤسسية" في ظاهر القرار يخفي خلفه أزمة شرعية أعمق، خاصة أن المرسوم لم يُعرض على أي إطار وطني جامع، ولم يحظَ بتوافق داخل حركة فتح ذاتها، التي تشهد تفاوتًا في المواقف بين تياراتها حول مرحلة ما بعد الرئيس. 

ويشير أبو بدوية إلى أن صدور المرسوم يتزامن مع تزايد الحديث عن شخصيات بديلة تحظى بتأييد شعبي مثل مروان البرغوثي أو نفوذ سياسي كمحمد دحلان، ما يجعل القرار كأنه حسم مبكر لصراع الخلافة داخل نظام لم يُجدّد شرعياته منذ نحو عقدين.

 

رسالة طمأنة للخارج

 

ويؤكد أبو بدوية أن المرسوم يُقرأ أيضًا كرسالة طمأنة للخارج، وخاصة لإسرائيل والدول الغربية، بأن الاستقرار في الضفة الغربية لن يتأثر في حال غياب الرئيس، إلا أن هذه الطمأنة تأتي على حساب الداخل الفلسطيني، إذ ترى فصائل عدة، وفي مقدمتها حركة حماس، أن القرار يكرس انفصال السلطة عن الإجماع الوطني ويعيدها إلى موقعها كجهاز إداري أكثر من كونها ممثلًا لمشروع تحرري.

ويشير أبو بدوية إلى أن اللقاءات الأخيرة بين حسين الشيخ وقيادة حماس كانت "بروتوكولية بحتة"، ما يعكس غياب الرغبة الحقيقية لدى السلطة في الانخراط في مسار المصالحة، مقابل رهانها على ضغوط إقليمية ودولية لإعادة تموضعها.

وبحسب أبو بدوية، فإن المرسوم، رغم أنه يضمن استمرارية الشكل، فإنه يفضح عمق أزمة الشرعية الوطنية الفلسطينية. 

فالنظام السياسي، برأي أبو بدوية، يعيش أزمة تمثيل وهوية، ويبدو منشغلًا بإدارة ما تبقى من سلطة أكثر من انشغاله بإعادة بناء المشروع الوطني، كما أنه في الوقت الذي يبحث فيه الخارج عن خليفة "مضمون"، لا يزال الداخل الفلسطيني يبحث عن "شرعية مفقودة".

 

إعادة إنتاج للنظام السياسي القائم

 

يرى الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الإعلان الدستوري الرئاسي الأخير لا يحتاج إلى كثير من التأويل أو التفسير، فمعناه واضح أكثر من نصه ذاته.

ويعتبر المشني أن الإعلان خطوة جديدة في مسار إعادة إنتاج النظام السياسي الفلسطيني القائم، بنفس مواصفاته الحالية من حيث الشكل والمضمون.

ويوضح أن هذه العملية لم تبدأ اليوم، بل امتدت على مدار سنوات، منذ إعادة تشكيل المجلس المركزي الفلسطيني وإعادة صياغة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مروراً بسلسلة من المراسيم والإعلانات الدستورية المتدرجة، وصولاً إلى هذا المرسوم الذي ينقل النظام الفلسطيني إلى مرحلة مختلفة وجديدة من حيث الجوهر، لكنها لا تُلبي تطلعات الشعب الفلسطيني ولا تعبّر عن إرادته.

ويشير المشني إلى أن ما يجري اليوم هو إعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني بما يراعي مصالح ومواقف الإقليم والدول المعنية بالقضية الفلسطينية، بينما تبقى المصلحة الفلسطينية الحقيقية مغيبة تماماً عن الحسابات. 

ويرى أن هذا التشكيل السياسي الجديد يأخذ بعين الاعتبار الضغوط الإقليمية والدولية، لكنه يتجاهل إرادة الشعب، ويكرّس نمط الحكم القائم الذي فشل في تحقيق الوحدة الوطنية أو في تجديد الشرعية السياسية.

ويعتبر المشني أن الاستعجال في إصدار المرسوم دون انتظار صياغة دستور فلسطيني كما كان يُقال، يعكس وجود "حاجات ملحّة" لا تحتمل التأجيل، ربما تتعلق بترتيبات داخلية أو إقليمية، لكنها في جميع الأحوال لا تعبّر عن رؤية وطنية شاملة. 

وبحسب المشني، فإن هذا المرسوم يعمّق الأزمة الفلسطينية القائمة، ويؤبد الانقسام السياسي بين الضفة وغزة، ويفتح الباب أمام نشوء أطر فلسطينية موازية قد تسعى لملء الفراغ السياسي، في ظل غياب القواسم المشتركة والبرامج الموحدة بين الفصائل.

ويؤكد المشني أن ما يحدث الآن يشكل إغلاقاً كاملاً لأفق الوحدة الوطنية، وأن الإعلانات الدستورية المتلاحقة تكرّس واقع الانقسام وتُجهض أي فرصة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية. 

لكن المشني يشير إلى أن الشعب الفلسطيني، رغم ما يمرّ به من أوضاع صعبة، لا يزال قادراً على المفاجأة وابتكار حلول خلاقة وغير تقليدية.

ويؤكد المشني أن مرحلة الحلول التقليدية قد انتهت، وأن القادم سيكون من رحم الإبداع الشعبي الذي اعتاد الفلسطينيون على اجتراحه في أصعب الظروف.

Tags

Share your opinion

الإعلان الدستوري.. تباين آراء المحللين حول معاني الخطوة ودلالاتها

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.