لم تكن العلاقة بين أنقرة وتل أبيب يوما علاقة طبيعية، بل مزيجا من التوجس والتوظيف المتبادل، فمنذ إن كانت أول دولة إسلامية تعترف بدولة الاحتلال عام 1949، ظل التوازن بين المصلحة والسيادة هشا، تارة تدفئه المصالح العسكرية والاقتصادية، وتارة تجمده القضايا الأخلاقية والإنسانية، وعلى رأسها فلسطين.
خلال العقود الماضية، حاولت تركيا – بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي – ان توازن بين انتمائها الإسلامي وتحالفها الغربي، لكن تل أبيب قرأت هذا التوازن باعتباره ثغرة، فسعت - تحت عنوان التعاون الامني - لاختراق المؤسسة العسكرية التركية واحتوائها ضمن المنظومة الغربية، بينما كانت في العمق تعمل على اضعاف اي طموح تركي نحو زعامة إقليمية، وبصعود العدالة والتنمية، بدا هذا التوازن يميل لصالح الهوية لا التحالف، جريمة "مرمرة" كشفت حدود العلاقة ووجهها الحقيقي؛ يوم قتل جيش الاحتلال عشرة أتراك، فكان ذلك إعلانا صريحا بان "الشراكة" كانت خدعة.
اليوم، وبعد السابع من اكتوبر، تعود العلاقة الى ذروة التوتر، أنقرة وصفت ما يجري في غزة بانه ابادة جماعية، ولم تكتف بالخطاب، بل سحبت سفيرها وقطعت كثيرا من العلاقات التجارية، وانضمت الى دعوى جنوب افريقيا امام العدل الدولية، وهكذا انتقل الصراع من السياسة الى الشرعية؛ اي من يملك الحق الاخلاقي في مخاطبة العالم؟
لكن المسألة بالنسبة لتل أبيب تتجاوز الرد على ما يجري في غزة، لتصل الى صراع على الزعامة في العالم الاسلامي بعد انكفاء النظام العربي، وغياب مراكز الثقل التقليدية، فتركيا هي القوة الوحيدة التي تجمع بين الشرعية الديمقراطية والقدرة العسكرية والمكانة التاريخية، ما يجعلها لاعبا لا يحتوى بسهولة، ومنافسا على التمثيل في لحظة يعاد فيها تعريف قوى النفوذ في الشرق الأوسط.
امام هذا التحول، لجأت تل أبيب الى ما تجيده دائما، تحويل الاخلاق الى اداة ابتزاز، فأعلنت نيتها الاعتراف بما يعرف بـ"الابادة الجماعية ضد الارمن"، لا من باب الانصاف التاريخي، بل من باب المقايضة السياسية، وان تقول لأنقرة، لكل منا ماضيه، فلتكفّي عن المحاضرات الاخلاقية، وهكذا بدت كما يحاول تسوية الجريمة بالمقارنة، ولتبرر جرائم الابادة الجماعية ضد الفلسطينيين، عبر ملفات تاريخية مضادة، في سعي منها لحرمان تركيا من موقعها الاخلاقي، وتحويلها الى طرف متهم.
لكن وراء هذا السلوك بعدا اعمق؛ اذ تدرك تل ابيب ان تركيا ليست مجرد دولة، بل وريثة تاريخ وحضارة، وامبراطورية شكلت قلب العالم الاسلامي لقرون، ولا تمل من طرق ابواب الاتحاد الاوروبي لعقود، رغم المماطلة والرفض المستتر، لذا فان استحضار ملف الارمن يسعى لتغذية الشكوك والمخاوف الاوروبية حولها، كدولة متناقضة مع قيم الغرب، في محاولة لاستخدام الذاكرة التاريخية كسلاح مزدوج؛ تقويض شرعيتها في الغرب، وعرقلة طموحاتها في الشرق.
ويجري هذا عبر شيطنة انقرة في الاعلام الغربي، واتهامها بالتناقض السياسي، والضغط عليها اقتصاديا عبر شبكات الطاقة في شرق المتوسط، مع محاولة لعزلها عن العالمين العربي والاوروبي في ان واحد، وبهذه الادوات، تسعى لتحييدها، بل واعادة تعريفها كدولة براغماتية محاصرة بين هويتين، هويتها الاسلامية وطموحها الاوروبي، بينما تحاول نزع هذا القيد عبر انحياز واضح للمظلوم لا للمصالح.
فالقوة التركية الجديدة لا تقاس بتوازنها بين الشرق والغرب، بل بقدرتها على أن تكون صوتا حرا داخل نظام دولي مختل، ومن هنا، فان موقفها من غزة وفلسطين ليست مجرد خطوات تضامنية، بل استراتيجية لإعادة تعريف دورها.
وبالتالي، فان المعركة مع انقرة ليست على حدود الجغرافيا فحسب، بل على حدود الخطاب والشرعية؛ بين احتلال بنى وجوده على سردية الضحية التي يحاول اليوم اغتيال الذاكرة وتجميل الجريمة، ودولة تسعى لاستعادة مكانتها، تحاول الجمع بين نفوذ القوة ومقتضيات العدالة، ما يجعل الصدام ليس ثنائيا فحسب، بل اختبارا لمستقبل النظام الدولي نفسه، فهل سيظل الغرب وتوابعه يحتكرون تعريف العدالة والشرعية، ام ان قوة جديدة قادمة من الشرق، قادرة على فرض معايير مختلفة، تبنى على احترام القانون واقامة العدل، لا على منطق التفوق والهيمنة؟





Share your opinion
أنقرة وتل أبيب: من حرب التاريخ إلى معركة الشرعية