د. عمار دويك: الإعدامات الميدانية تعكس انهيار منظومة القانون والعدالة وتستوجب معالجة وطنية عاجلة لما جرى
ماجد هديب: يجب الضغط على "حماس" لوقف هذه الممارسات كون استمرارها يوسع دائرة الانقسام المجتمعي
د. أحمد رفيق عوض: الدعاية الإسرائيلية تضخّم هذه الإعدامات وتسعى لتصوير الفلسطينيين كعصابات يقتل بعضُها بعضاً
نعمان توفيق العابد: هذه الإعدامات تمنح انطباعاً دولياً بأن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم ما يفتح الباب أمام فرض الوصاية
د. عبد المجيد سويلم: بث هذه المشاهد في الخارج سيخدم أعداء المقاومة ما يلحق ضرراً كبيراً بالتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني
سليمان بشارات: الحل يكمن في تأسيس نواة قضائية وإدارية تضمن التعامل مع العملاء والخارجين عن القانون في إطار مؤسسي
تشهد الساحة الفلسطينية جدلاً واسعاً حول الإعدامات الميدانية التي نُفذت في قطاع غزة مؤخراً، وسط تحذيرات من خطورتها على سيادة القانون والنسيج المجتمعي، وعلى صورة الفلسطينيين في العالم، وإمكانية فقدان التضامن مع القضية الفلسطينية.
ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون ومسؤولون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن هذه الممارسات، التي جاءت في ظل انهيار المنظومة المؤسسية والأمنية بفعل العدوان الإسرائيلي، اعتُبرت انعكاساً للفوضى التي خلّفها تدمير أجهزة الشرطة والقضاء وأجهزة إنفاذ القانون، وما تبعه من صعود ميليشيات وعصابات ملأت هذا الفراغ الخطير.
ويرون أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند انتهاك حقوق الإنسان، بل تمتد إلى إضعاف الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني، وإلى تكريس الانقسام الداخلي والمجتمعي، فبينما يعتبر مؤيدوها أنها وسيلة لردع العملاء والخارجين عن القانون، يرى معارضوها أنها تمثل خرقاً خطيراً للعدالة، وتزرع بذور النزاعات الداخلية، فضلاً عن أنها تمنح الاحتلال فرصة لتشويه صورة الفلسطينيين وتصويرهم كمجتمع غارق في العنف والفوضى.
ويؤكدون أن استمرار هذه الظاهرة يهدد بتقويض التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية، ويفتح الباب أمام محاولات التشكيك بأهلية الفلسطينيين لإقامة دولة قائمة على القانون والمؤسسات، مشددين على ضرورة وقف هذه الممارسات فوراً، والبحث عن حلول بديلة قائمة على المساءلة القانونية والإصلاح المؤسسي، بما يحفظ كرامة المواطنين ويعزز وحدة المجتمع الفلسطيني.
انهيار منظومة سيادة القانون والعدالة
يؤكد مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د.عمار دويك أن الإعدامات الميدانية التي شهدها قطاع غزة مؤخراً تأتي في سياق حالة الانهيار الكامل لمنظومة سيادة القانون والعدالة، نتيجة حرب "الإبادة الجماعية" التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي على مدار العامين الماضيين، ما يستوجب معالجة وطنية عاجلة لما جرى.
ويوضح دويك أن الاحتلال استهدف بشكل مباشر القطاعات الحيوية، بما في ذلك جهاز الشرطة، والقضاء، والنيابة، وأجهزة إنفاذ القانون والسجون، ما أدى إلى تدمير شامل للبنية المؤسسية وخلق فراغ أمني خطير.
ويشير دويك إلى أن هذا الفراغ، الذي تعمّق خلال فترة الحرب، جرى ملؤه بطرق خطيرة عبر ميليشيات عائلية وعصابات إجرامية، بعضها مدعوم من الاحتلال وعملاء، ما أسهم في إشاعة الفوضى داخل القطاع.
ويوضح دويك أن حركة "حماس" تعاملت مع هذه الظاهرة بعنف مفرط من خلال تنفيذ إعدامات ميدانية حتى خلال فترة العدوان، إلى جانب إطلاق النار على الأقدام وممارسات أخرى تعكس حجم الفوضى والانهيار.
وبحسب دويك، فإن ما جرى بعد وقف إطلاق النار الأخير يثير القلق بشكل أكبر، إذ تم توثيق حالات إطلاق نار على نحو عشرة أشخاص أُعدموا ميدانياً، إضافة إلى عشرات الحالات التي أطلق فيها مسلحون النار على أرجل مواطنين بهدف الترهيب أو التهديد.
انعكاس لحالة الفراغ الخطيرة التي خلّفها العدوان
ويؤكد دويك أن هذه السلوكيات تمثل انعكاساً مباشراً لحالة الفراغ الخطيرة التي خلّفها العدوان الإسرائيلي، حيث يجري ملؤها حالياً بوسائل "مرعبة" لا يمكن تبريرها.
ويشدد دويك على أن هذه التصرفات غير مقبولة وتشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، داعياً حركة "حماس" إلى تحمّل مسؤولياتها ووقف هذه الظاهرة بشكل فوري.
ويؤكد دويك ضرورة اتخاذ خطوات عملية نحو بناء الثقة مع المواطنين، واستعادة النظام والقانون عبر الطرق الشرعية، وليس من خلال أساليب الترويع أو القتل، التي قد تطال أبرياء لا علاقة لهم بالاتهامات الموجهة.
ويعتبر دويك أن معالجة هذا الفراغ المؤسسي والأمني في قطاع غزة لا يمكن أن تتم إلا من خلال توافق وطني فلسطيني على آلية لإدارة الحكم وتنظيم قطاع العدالة والأمن.
المطلوب تشكيل حكومة وحدة أو حكومة إنقاذ
ويوضح دويك أن ذلك يتطلب تحقيق مصالحة فلسطينية شاملة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة إنقاذ، تكون قادرة على الإشراف على فرض سيادة القانون في قطاع غزة بطرق تحترم كرامة المواطنين وتليق بتضحياتهم.
ويؤكد دويك أن استمرار هذه الممارسات يسيء للشعب الفلسطيني وصموده، ويمنح الاحتلال فرصة لتوظيفها في التغطية على جرائمه، داعياً إلى المساءلة والمحاسبة لكل من ارتكب هذه الانتهاكات، بما يضمن إنهاء هذه الظواهر وتعزيز سيادة القانون والعدالة.
"حماس" تحاول فرض سيطرتها على القطاع
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن ما تقوم به حركة "حماس" من إعدامات ميدانية في قطاع غزة لا يأتي في إطار فرض الأمن كما تُعلن، وإنما يشكّل محاولات لإثبات وجودها وإعادة فرض سيطرتها على القطاع بقوة السلاح تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.
ويوضح هديب أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في أنها تجاوزت الأبعاد الأمنية لتتحول إلى قضية مثيرة للانقسام المجتمعي والسياسي، حيث تباينت الآراء بشأنها بين مؤيد ومعارض، ولكل طرف دوافعه.
ويبيّن هديب أن المؤيدين لهذه الإعدامات يستندون إلى حالة غياب الاستقرار وانتشار الفوضى، ورغبتهم في حماية المقاومة من التخابر، إضافة إلى اقتناعهم بالرواية التي تصدرها حركة "حماس" واعتبارهم هذه الإجراءات رسائل ردع ضرورية لتعزيز هيبتها وسيطرتها.
في المقابل، يشير هديب إلى أن المعارضين يرفضون هذه الممارسات لغياب الإجراءات القانونية السليمة، وربما اعتماد العقوبات على اعترافات انتزعت تحت التعذيب، الأمر الذي يرسخ الظلم ويؤدي إلى خسائر بشرية جسيمة، كما اعتبروا أن هذه الإعدامات تزرع الانقسام بين مكونات المجتمع، وتوسع دائرة العنف والثأر، وتشوه صورة الفلسطينيين أمام العالم وتُظهرهم كمجموعات متناحرة لا تحترم حقوق الإنسان أو القانون.
ويلفت هديب إلى أن من أبرز آثار هذه الممارسات انتهاك القانون الدولي الإنساني، وخلق شعور لدى الفلسطينيين بعدم أهليتهم لإقامة دولة قائمة على القانون والمؤسسات، فضلاً عن فقدان التعاطف الدولي وتراجع التعاون مع المؤسسات الفلسطينية، وهو ما يسهم في تسهيل مهمة الاحتلال في تشويه صورة الإنسان الفلسطيني.
مقترحات للحد من الظاهرة السلبية
ويطرح هديب عدة مقترحات للحد من هذه الظاهرة، أبرزها أن تصدر قيادة حركة "حماس" أوامر فورية بوقف الإعدامات، مع تأجيل أي ملفات تحقيق إلى حين تولي حكومة جديدة مهامها، وكذلك إصدار قرار رئاسي يؤكد عدم قانونية هذه الإعدامات وتجريم منفذيها واعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم، إضافة إلى ضرورة قيام منظمات حقوق الإنسان بتوثيق هذه الانتهاكات وكشف القائمين عليها.
ويشدد على ضرورة تدخل الدول العربية، خاصة دول الوساطة في الاتفاق، للضغط على "حماس" من أجل وقف هذه الممارسات، معتبراً أن استمرارها لا يفاقم فقط من آلام أهالي الضحايا، بل يوسع دائرة الانقسام المجتمعي الذي خلّفته الحرب والانقسام السياسي السابق، ويؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار وانعدام الثقة بالدولة والقانون.
ويؤكد هديب أن تعزيز الأمن لا يتحقق عبر الردع والقسوة أو عبر انتشار المسلحين الملثمين في الشوارع، وإنما من خلال سيادة القانون، وهو ما يتطلب غياب سيطرة حركة "حماس" عن الحكم في غزة، مؤكداً أن الأمن الحقيقي لا يقوم إلا في ظل دولة قانون ومؤسسات.
جدل واسع بين مبرري الظاهرة ورافضيها
يوضح الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن ظاهرة الإعدامات الميدانية التي تنفذها حركة "حماس" في قطاع غزة، تطرح جدلاً واسعاً بين مبرريها ورافضيها، حيث ترى الحركة أن هذه الممارسات تأتي في إطار "ضبط الفوضى ومنع الفلتان ومعاقبة المسيئين"، بينما يعتبرها معارضوها "نهجاً إرهابياً يستهدف فرض السيطرة بالقوة ومنع أي انشقاق أو تعامل مع أطراف أخرى".
ويشير عوض إلى أن ضبط هذه الظواهر لا يمكن أن يتم إلا عبر "القبول الاجتماعي"، موضحاً أن العشائر والقوى الاجتماعية والفصائل الفلسطينية قادرة على التأثير، سواء برفض هذه الممارسات علناً واعتبارها سلوكاً مرفوضاً، أو بقبولها، ما يمنحها نوعاً من الشرعية المجتمعية.
حتى الآن –بحسب عوض– تسود حالة من التباين في المواقف، إلا أن بعض المواقف العشائرية تعلن رفض السلوك ذاته، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أولوية ضبط الأمن، وهو ما يعكس وجود قبول ضمني أو جزئي.
ويلفت عوض إلى أن هذه الممارسات، رغم تبريرات "حماس"، تثير موجات واسعة من الرفض والانتقاد، الأمر الذي يفرض على الحركة أن تتحلى بالشفافية الكاملة وأن تبرر أسباب لجوئها للإعدامات حتى لا يُنظر إليها كقوة تفرض سيطرتها بالقوة على المجتمع الفلسطيني.
ويقول عوض: "لا يُعقل أن يتحول فصيل فلسطيني بعد انتهاء عدوان الاحتلال والقصف إلى قتل أبناء شعبه"، مشدداً على ضرورة وجود حوار مجتمعي ومحاسبة علنية، معتبراً أن الوضوح والشفافية قد يجعلان ما يحدث "مفهوماً وإن لم يكن مبرراً".
ويؤكد عوض أن هذه الإعدامات تُستغل على نطاق واسع في الإعلام الغربي وتُضخَّم عبر الدعاية الإسرائيلية التي تسعى لتصوير الفلسطينيين كـ"عصابات تقتل بعضها بعضاً"، وهو ما يؤدي إلى تراجع التضامن العالمي وربما انقلابه.
المفروض اللجوء إلى محاكمات علنية وشفافة
ويشير عوض إلى أن "حماس" حاولت مواجهة الانتقادات عبر الإعلان عن إجراء تحقيقات ومحاكمات، لكن ذلك لم يبدد المخاوف من انعكاسات هذه الممارسات على صورة المقاومة الفلسطينية والتضامن مع الفلسطينيين.
ويرى عوض أن توقيت هذه الإعدامات غير مناسب إطلاقاً في ظل عدوان الاحتلال على غزة، وكان بالإمكان الانتظار أو اللجوء إلى محاكمات علنية وشفافة، مؤكداً أن تحويل مسار المقاومة من الاشتباك مع الاحتلال إلى ما يشبه "حرباً أهلية" يشكل خطراً كبيراً ويدخل الفلسطينيين في متاهات شديدة التعقيد.
مر في غاية الخطورة وكان من المفترض ألا يحدث
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن ما يجري في قطاع غزة من إعدامات ميدانية على أيدي حركة "حماس" أو غيرها من الفصائل هو أمر في غاية الخطورة وكان من المفترض ألا يحدث.
ويوضح العابد أن الشعب الفلسطيني في غزة ما يزال مثخناً بالجراح جراء العدوان الإسرائيلي، والحصار والتجويع والإبادة الجماعية، الأمر الذي كان يتطلب التخفيف عن الأهالي ومعالجتهم لا زيادة معاناتهم بممارسات ميدانية "تعكس صورة سلبية للغاية".
ويبيّن العابد أن هذه الإعدامات التي تنتشر صورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمنح انطباعاً دولياً خطيراً بأن الفلسطينيين غير قادرين على حكم أنفسهم، وأنهم ما زالوا يعيشون في مرحلة الميليشيات المسلحة، وهو ما يفتح الباب أمام محاولات فرض الوصاية أو الانتداب الدولي عليهم بحجة عدم أهليتهم لبناء الدولة.
استمرار هذه المشاهد يضر بالقضية الفلسطينية
ويؤكد العابد أن استمرار مثل هذه المشاهد من شأنه أن يضر بالقضية الفلسطينية ويمنح العالم مبرراً للنظر إلى الفلسطينيين بوصفهم غير مؤهلين لإدارة شؤونهم وفق سيادة القانون.
ويشير إلى أن بعض الفصائل بررت هذه الممارسات بالحديث عن تعاون مع الاحتلال أو سرقة مساعدات أو إثارة الفوضى، لكن العابد يشدد على أن ذلك لا يبرر الإعدامات الميدانية. وكان الأجدر –حسب العابد– انتظار الانتهاء من تنفيذ "خطة ترمب" بانسحاب الاحتلال بشكل كامل وإدخال المساعدات الإنسانية، ثم استتباب الأمن وفرض حكم القانون الفلسطيني، بدلاً من اللجوء إلى المواجهات المسلحة و"أخذ القانون باليد".
البديل اعتماد وسائل قانونية
ويلفت العابد إلى أن البديل كان يتمثل في اعتماد وسائل قانونية للتعامل مع الخارجين عن النظام، سواء المتهمين بالتعاون مع الاحتلال أو من يحاولون فرض السيطرة بالقوة، مؤكداً أن الاحتكام إلى القانون الداخلي هو السبيل لتعزيز المصداقية الفلسطينية، خاصة أن الفلسطينيين يطالبون دوماً المجتمع الدولي بتطبيق القانون الدولي في قضيتهم العادلة.
ويعتبر العابد أن ما يجري سيؤثر سلباً على النسيج الداخلي الفلسطيني، حتى بين أهالي الشهداء والجرحى والمعتقلين الذين ينتظرون أن تقود التضحيات نحو التحرر الوطني لا نحو مزيد من الانقسامات.
وبحسب العابد، فإن المطلوب اليوم هو التخفيف عن الأسر المكلومة، ومساعدة المتضررين من هدم منازلهم، والعمل على إعادة الإعمار والتأهيل، لا فتح باب قد يؤدي إلى اقتتال داخلي فلسطيني.
ويشير العابد إلى خطورة دعم أي جهة فلسطينية لميليشيات مسلحة بهدف إشعال صراع داخلي في غزة، مشدداً على أن استخدام هذا الأسلوب خطأ كبير، وأن سيادة القانون وحدها يجب أن تكون الحكم الفاصل بين الفلسطينيين أنفسهم، تمهيداً لمرحلة أكثر استقراراً وبناءً على تضحيات الشعب الفلسطيني المستمرة.
خطر جسيم على النسيجَين الوطني والاجتماعي
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن الإعدامات الميدانية التي شهدها قطاع غزة مؤخراً من قبل مسلحين تُشكّل خطراً جسيماً على النسيجَين الوطني والاجتماعي، مؤكداً أن هذه الممارسات لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، وأنها تمثل خروجاً عن التراث الوطني الفلسطيني وعن مبدأ سيادة القانون.
وبحسب سويلم، فإن هذه السلوكيات "تسيء إلى النضال الوطني الفلسطيني، وتضر بسمعته في وقت يشهد تضامناً عالمياً واسعاً مع الشعب الفلسطيني".
ويوضح أن حركة "حماس" مطالبة بوقف هذه الإعدامات فوراً، سواء أكانت قد تبنتها بشكل رسمي أم لا، مشدداً على أنها إن تبنتها فهي مدينة أولاً بالاعتذار، وثانياً بالمراجعة الجادة، معتبراً أن "الضبط والربط" الخيار الوحيد أمامها.
ويقول سويلم: "حتى لو كان بعض من جرى إعدامهم متهَمين بالسرقة أو التعاون مع الاحتلال أو بجرائم أخرى، فإن ذلك لا يبرر أبداً تنفيذ الإعدام الميداني، فالمطلوب كان الاحتفاظ بهم ومحاكمتهم لاحقاً، لا سيما أن "حماس" تمكنت من الاحتفاظ بالأسرى الإسرائيليين فترة طويلة رغم قدرات الاحتلال وحتى مساعدة الناتو".
ويشير سويلم إلى أن هذه الأحداث تُلحق أذى بالغاً بعائلات الشهداء والجرحى والمعتقلين الذين ضحوا من أجل كرامة وصمود غزة، كما تثير توترات اجتماعية وعشائرية يمكن أن تستغلها أجهزة الإعلام الإسرائيلية ومئات منصات التحريض لإذكاء الفتن الداخلية.
ويحذر سويلم من أن بث هذه المشاهد في الخارج سيخدم أعداء المقاومة والمتربصين بها، ما يلحق ضرراً كبيراً بحجم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني.
الانجرار وراء "الروح الانتقامية" غير مبرَّر
ويبيّن سويلم أن مشاعر الغضب والانتقام لدى الناس تجاه من اتهموا بالتجسس أو التعاون مع الاحتلال أو سرقة المساعدات قد تكون مفهومة، لكنها لا تبرر لحركة سياسية الانجرار وراء "الروح الانتقامية".
ويؤكد سويلم أن ما جرى يعكس "علاقات خاطئة للغاية في مفهوم العلاقات الوطنية الفلسطينية"، معتبراً أن حركة "حماس" أساءت كثيراً بمثل هذه السلوكيات، ويجب عليها تصويب البوصلة بهذا الأمر.
ويشدد سويلم على أن المراجعة العاجلة والتوقف الفوري عن هذه الممارسات أصبحا ضرورة وطنية، محذراً من أن اعتبارها مجرد "حالة فلتان" سيضاعف خطورتها، لأن ذلك سيُذكي الفتنة الداخلية ويضعف وحدة المجتمع الفلسطيني.
وبحسب سويلم، فإن المسؤولية تقع على عاتق "حماس" في تقديم توضيحات واضحة، إما عبر الاعتراف بالخطأ والاعتذار، أو بضبط الأمور ووقف هذه المظاهر بشكل قاطع، حفاظاً على وحدة الصف وصورة النضال الفلسطيني أمام العالم.
ظاهرة تحمل وجهين متناقضين
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن مسألة الملاحقة والإعدامات الميدانية بحق العملاء والخارجين عن القانون في غزة تحمل وجهين متناقضين؛ أحدهما إيجابي يتعلق بضبط الفوضى ومنع تحول بعض الحالات الفردية إلى كيانات منظمة تهدد البنية السياسية والمجتمعية، والآخر سلبي يرتبط بمخاطر غياب الإطار القانوني والمؤسسي في معالجة هذه القضايا.
ويوضح أن الحروب والنزاعات عادة ما تفرز مجموعات تسعى للتكسب المادي أو للهيمنة والسيطرة، وقد يكون بعضها مرتبطاً بالاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني واستغلال أدوات داخلية لإضعافه.
ويشير بشارات إلى أن الاحتلال حاول خلال الحرب على غزة ترسيخ هذا النموذج لخلق حالة من عدم الوحدة الفلسطينية، غير أن البيئة المجتمعية الصلبة نجحت في إفشال المشروع الاحتلالي على مدار عامين.
ويحذّر بشارات من ترك هذه المجموعات دون معالجة جذرية، إذ قد تتحول إلى "نموذج مؤسس" يهدد مستقبل أي نظام سياسي أو إداري في غزة، ويُستخدم كأداة ابتزاز من جانب الاحتلال.
تداعيات سلبية بالغة
وفي المقابل، يشدد بشارات على أن أسلوب القتل والإعدامات الميدانية المباشرة دون المرور بالمسار القضائي والمؤسسي يترك تداعيات سلبية بالغة، فهو من جهة قد يؤدي إلى ردود فعل داخلية تفقد المجتمع ثقته بالمنظومة الإدارية والسياسية، ويفتح الباب أمام نزاعات داخلية، ومن جهة أخرى، قد يتحول إلى مادة دعائية يستثمرها الإعلام الإسرائيلي لتصوير الفلسطينيين ككيان غير مؤهل لامتلاك نظام سياسي أو إدارة كفؤة.
ويؤكد بشارات أن الحل يكمن في تأسيس نواة قضائية وإدارية تستند إلى تشريعات واضحة ومواثيق قانونية، بما يضمن التعامل مع العملاء والخارجين عن القانون في إطار مؤسسي، بعيداً عن ردات الفعل.
ويعتبر بشارات أن التجربة الفلسطينية عبر محطات الثورة المختلفة أثبتت وجود ممارسات إيجابية وأخرى سلبية، وهو ما يتطلب الحذر الشديد في التعاطي مع هذه القضايا.
ويشدد بشارات على أن البنية المجتمعية الفلسطينية تظل "صمام الأمان" في مواجهة التدخلات الإسرائيلية، وأن ما يعزز هذه البنية يجب اعتماده، بينما ما يعاكسها ينبغي تجنبه. ويشير بشارات إلى أن العائلات والعشائر يمكن أن تكون جزءاً من الحل عبر ممارسة دورها في محاسبة المتورطين من الأفراد المنضوين تحتها، بما يعزز الشفافية ويجنب الفصائل الظهور بمظهر الخارج عن القانون أو المتصرف بدافع الانتقام.





Share your opinion
الإعدامات الميدانية.. تهديد للنسيج المجتمعي وتشويه للنضال الوطني