Mon 13 Oct 2025 9:21 am - Jerusalem Time

إسرائيل تحت المجهر الأميركي: معركة جديدة في ميدان الرأي العام

Said Erikat

Opinion Writer

واشنطن - "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات

بينما تقترب الحرب في غزة من نهايتها بعد عامين من الدمار وسفك الدماء، تبرز أمام إسرائيل معركة من نوع آخر لا تُخاض بالسلاح، بل في ميدان الرأي العام الأميركي، حيث تواجه تل أبيب تآكلًا غير مسبوق في مكانتها بين مواطني أقرب حلفائها وأقواهم: الولايات المتحدة.

فبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، لم تعد الانتقادات الأميركية لإسرائيل مقتصرة على الأوساط التقدمية أو الجامعات، بل باتت تعكس تحولًا واسعًا في المزاج الشعبي. للمرة الأولى منذ بدء استطلاعات الرأي عام 1998، أظهر استطلاع أجرته الصحيفة في سبتمبر الماضي أن نسبة الأميركيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين تفوق أولئك الذين يؤيدون إسرائيل. وتؤكد صحيفة واشنطن بوست في استطلاع لاحق، أن غالبية اليهود الأميركيين باتوا يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب خلال حربها على غزة، و40% يرون أنها مارست إبادة جماعية.

هذا التحول العميق في الرأي العام، انعكس أيضًا على المواقف السياسية داخل الكونغرس، حيث بدأ حتى بعض الديمقراطيين المعتدلين في الدعوة إلى إعادة تقييم المساعدات العسكرية لإسرائيل. أما المفاجأة الأبرز، فجاءت من داخل القواعد المحافظة، وتحديدًا بين المسيحيين الإنجيليين الشباب، الذين بدأوا يرون إسرائيل ليس كدولة محاصرة، بل كقوة قمعية.

يرى شِبلي تلحمي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ميريلاند والخبير بشأن الرأي العام، أن إسرائيل تواجه اليوم ما يمكن تسميته بـ"جيل غزة"، كما وُجد في السابق "جيل فيتنام". ويشير إلى أن مشاهد الحرب التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسّخت في أذهان هذا الجيل صورة لإسرائيل كقوة عدوانية، بطريقة يصعب نزعها حتى مع مرور الوقت.

من جهته، يؤكد الكاتب الإسرائيلي الأميركي يوسي كلاين هاليفي أن التأثيرات امتدت حتى إلى غير المنخرطين في السياسة، حيث باتت فكرة “عدم شرعية الدولة اليهودية” تلقى رواجًا متزايدًا بين الشباب. ويقول إن “الرائحة الأخلاقية التي أصبحت تلتصق بصورة إسرائيل في الخارج باتت ثقيلة يصعب التخلص منها”.

ورغم هذه الصورة القاتمة، يرى بعض المراقبين أن وقف الحرب قد يفتح نافذة أمل لاستعادة الدعم الأميركي. فمع توقف المشاهد المروعة من غزة، وتحسن الأوضاع الإنسانية، وعودة الرهائن المحتجزين، قد يجد الأميركيون المؤيدون لإسرائيل مساحة لإعادة التوازن في مواقفهم. وتلفت هالي صوفر، المديرة التنفيذية لمجلس اليهود الديمقراطيين في أميركا، إلى أن “هناك هامشًا للانتعاش، فمجرد وقف القتل قد يُعيد البعض إلى منطقة الراحة المؤيدة لإسرائيل”.

هذا الأمل يستند إلى عمق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، لا سيما في مجالات الأمن، والاستخبارات، والتكنولوجيا. ويقول أفنير غولوف، الباحث في مركز أبحاث في تل أبيب، إن "إسرائيل تُعدّ ركيزة أساسية في التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، ووجودها في قلب الشرق الأوسط يخدم المصالح الأميركية الكبرى".

لكن هذا التحالف الذي كان يقوم على "القيم المشتركة"، كما تقول الصحيفة، لم يعد صامدًا في وجه التغيرات الداخلية. فالاستقطاب السياسي في كلا البلدين أدى إلى انقسام في الرواية حول طبيعة العلاقة. ويرى هاليفي أن إسرائيل باتت تُقدّم بروايتين: الأولى ليبرالية تدافع عن الدولة اليهودية كملاذ للمضطهدين ما بعد المحرقة، وتلقى صدى لدى الديمقراطيين؛ والثانية يمينية تقدم إسرائيل كخط دفاع أمامي ضد العالم الإسلامي، وتروق للجمهوريين.

وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة عاملاً حاسمًا. إذ أن تغيير القيادة السياسية، وخروج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من المشهد، قد يساهم في إعادة تشكيل العلاقة مع واشنطن. ويرى غولوف أن المظاهرات الأسبوعية الواسعة التي خرجت ضد الحكومة تشير إلى أن الديمقراطية الإسرائيلية ما زالت حيّة، حتى في ظل الحرب، مضيفًا: "هذا دليل على أن المجتمع الإسرائيلي لم يفقد طبيعته الليبرالية، بل استعادها".

مع ذلك، لا يتفق الجميع على إمكانية ترميم الصورة بهذه السهولة. فهناك من يرى أن الضرر قد تجاوز نقطة اللاعودة. ويقول موردخاي كلاين، من المنظمة الصهيونية اليمينية في أميركا، إن "الانتقادات تحوّلت إلى كراهية لليهود بحد ذاتها، ولا أرى طريقًا سهلًا للخروج من هذا الوضع".

ومع تعمق هذه الأزمة، يتفق الخبراء على أن الرهان كبير. فإسرائيل لم تعد تملك خيارات إستراتيجية كثيرة، وهي تعتمد على الدعم الأميركي بدرجة لا سابق لها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. ويختتم تلحمي بالقول: "المعركة على الرأي العام الأميركي لم تعد قضية علاقات عامة فقط، بل تحوّلت إلى معركة وجود بالنسبة لإسرائيل ".

Tags

Share your opinion

إسرائيل تحت المجهر الأميركي: معركة جديدة في ميدان الرأي العام

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.