نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) تقريرًا يُفيد بأن طفلًا يُقتل أو يُصاب في غزة كل 17 دقيقة. الرقم وحده كفيل بأن يُثير الذهول، لكنه لا يُعبّر إلا عن جزء من الحقيقة المروعة التي يعيشها الأطفال الفلسطينيون تحت القصف والحرمان والتجويع. ومع ذلك، فإن التقرير اكتفى باستخدام مصطلحات مثل "الرد المفرط" و"المعاناة غير المسبوقة"، دون أن يُسمّي الجريمة باسمها، وهو ما يُثير الدهشة ويطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة.
فحين تُوثّق منظمة أممية معنية بحماية الطفل هذا المستوى من العنف، ثم تتجنب توصيفه وفقًا للمعايير القانونية الدولية، فإن ذلك يُضعف من فرص المساءلة ويُفرغ المأساة من بعدها الجنائي. فالقانون الدولي، وتحديدًا اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، يُعرّف الإبادة بأنها "أعمال تُرتكب بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو دينية". وإذا نظرنا إلى ما يحدث في غزة من خلال هذا التعريف، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا، وأكثر إلحاحًا في المطالبة بتوصيف دقيق.
ما يُثير الاستغراب هو أن التقرير ذاته يتضمن أدلة تُعزز هذا التوصيف. فاليونيسف نفسها أفادت بأن أكثر من 50,000 طفل قُتلوا أو جُرحوا منذ أكتوبر، وأن الأطفال يُقتلون ويحرقون ويُشوّهون في ظروف لا تُحتمل. المديرة الإقليمية للمنظمة، أديل خضر، أكدت أن "قتل وتشويه الأطفال واختطافهم، والهجمات على المستشفيات والمدارس، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الأطفال".
هذه التصريحات، إلى جانب بيانات من منظمة الصحة العالمية التي أفادت بأن أكثر من نصف المرافق الصحية في غزة خرجت عن الخدمة، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الذي أشار إلى نزوح أكثر من 1.7 مليون شخص داخليًا، بينهم مئات الآلاف من الأطفال، تُشكّل أرضية قانونية واضحة لتوصيف ما يجري كجريمة إبادة جماعية.
ومع ذلك، فإن التقرير يتراجع عند لحظة التوصيف، ويكتفي بلغة رمادية تُساوي بين الجلاد والضحية، وتُحوّل الجريمة إلى أزمة إنسانية عامة. هذا التناقض بين حجم الكارثة ودقة التوصيف لا يُمكن أن يُفهم إلا في سياق سياسي يُخشى فيه من تسمية الجريمة، رغم وضوح معالمها.
الأطفال في غزة لا يُقتلون عرضًا أو نتيجة "رد مفرط"، بل في سياق سياسة متعمدة تستهدف تدمير البنية السكانية والمستقبلية للشعب الفلسطيني. تدمير المدارس، والمستشفيات، والمنازل، ومخيمات النزوح، وحرمان الأمهات من الغذاء والعلاج، ليست نتائج جانبية، بل وسائل مقصودة لإبادة جماعية بطيئة وعلنية.
إن السكوت عن تسمية الإبادة إبادة لا يحمي الأطفال، بل يُطيل مأساتهم، ويُضعف قدرة المجتمع الدولي على وقف الجريمة ومحاسبة مرتكبيها. ما يحتاجه أطفال غزة ليس التعاطف فقط، بل اعتراف صريح بأن ما يُمارس ضدهم هو تدمير متعمد للحياة الإنسانية، يستوجب تحقيقًا جنائيًا دوليًا ومساءلة فورية للمسؤولين عنه. وأن تجاهل التوصيف الصحيح للأفعال المرتكبة يُضعف العدالة والمساءلة.





Share your opinion
حين يُقتل طفل كل 17 دقيقة… هل يكفي أن نصف ذلك بـ"رد مفرط"؟