الأمر يشبه لعبة فيديو (GAME) يلعبها الأطفال على الحاسوب أو جهاز الأتاري - هكذا وصف أحد الضباط الأمريكيين الذي أصدر أوامر قتل فوجٍ من الجنود العراقيين المنسحبين في حرب الخليج (1991–1992) إبادة عن بُعد تُدار عبر خرائط ومربعات على الشاشة، حيث تتحول الضحية إلى رقم أو خانة. تتكامل عوامل أربعة لتسهيل ذلك: يقين مطلق بصوابية الفعل، ادعاء امتيازٍ أخلاقي، تصنيف مجموعةٍ كهدف مشروع، وتوافر أسلحة تنفيذ سريعة، مع بيئة سياسية ومعنوية تكتفي بالمشاهدة ولا تعترض. عندما يُفكَّر بالمناطق على الخريطة أكثر من الناس الوجوهية، تختفي إنسانية الضحايا ويُصبح تدمير المكان غايةً في ذاتها - ومن هنا تنمو فكرة سياسة الأرض المحروقة.
إذا ما سقطنا هذا الإطار على الحالة الإسرائيلية: تظهر ممارسات عسكرية طالت قطاع غزة وجنين تتقاطع مع عناصر هذا المنطق - هدم واسع للمساكن، تدمير بنى تحتية حيوية، فرض قيود على سبل العيش ونزوح جماعي - بحيث يتحول الحيّ إلى مربعٍ على الخريطة تُبرَّر ضده ضرباتٌ مهيكلة، وتقلّ الرؤية عن الضحايا كبشرٍ ذوي وجود وحقوق.
فما هي حقًا سياسة الأرض المحروقة؟ كيف طُبِّقت في غزة وجنين؟ هل تؤدي حتمًا إلى نصر أم إلى فشلٍ سياسي وأخلاقي؟ ما الذي يدفع إسرائيل ودولًا استعمارية أخرى لاتباع هذه السياسة رغم الأعراف والقوانين الدولية؟ وماذا يحدث بعد ذلك؟
وكيف تكون الأرض محروقة؟
استراتيجية عسكرية تقوم على تجريد الخصم من مواردِه الحيوية وإتلافها بشكل منهجي بهدف إضعاف قدرته على المقاومة فورًا وإجهاض قدرته على التعافي لاحقًا. تشملُ هذه السياسة استهدافَ المحطات الكهربائية، والمستشفيات، والمدارس، والمخازن، والمحاصيل الزراعية، والمساكن—أي كلٍّ ما يشكّل معيشةَ المدنيين وقاعدةَ استمرار المجتمع.
تتخطّى هذه الأفعالُ إطارَ العمليات العسكرية التقليدية لتصيبَ المدنيين وسبلَ عيشهم عمداً، ومن ثم تُعدُّ من أكثر السياساتِ انتهاكاً لأحكامِ القانون الدولي الإنساني. في ضوءِ النيةِ والنتيجة والسياق تُدرَج أحياناً ضمن جرائمِ الحرب، وربما تُؤهَّلُ لتصنيفٍ أشدّ خطورةٍ (مثل جرائمِ الإبادة الجماعية) إذا توافرت الأدلةُ على القصد الممنهج لإبادَةِ مجموعةٍ مدنية
تُستَخدَم هذه السياسةُ تاريخياً في سياقاتٍ استعمارية أو أثناء محاولات تثبيتِ السيطرةِ على أراضٍ، وأحياناً كأداةٍ عقابية لردعِ السكان أو دفعهم إلى الهجرة القسرية.
أسئلةٌ مركزيةٌ تُثار في ضوءِ التطبيق المعاصر، هل تشكّلُ أحداثٌ مثلُ لبنان 1996، ومخيم جنين 2002، والحملات العسكرية في غزة نماذجَ لتطبيقِ سياسةِ الأرضِ المحروقة، أم أنها تتجاوزُها في بشاعتها ودلالاتها؟ وهل يظنُّ المحتلُّ أنّ إحراقَ المكانِ يكفلُ نصرًا دائمًا، أم أنّه بمدِّ يديه نحو التدمير يكتبُ فصلًا جديدًا من الفشلِ السياسي والأخلاقي الذي يُعيد إنتاجَ المقاومةِ والرفض؟
حين تحرق الأرض وتُولَد المقاومة
رغم أن هدف سياسة "الأرض المحروقة" واضح إضعاف قدرة الطرف الآخر على المقاومة عبر الإتلاف الممنهج للموارد والبنى التحتية، فإن التاريخ يثبت أن هذه الاستراتيجية تفشل استراتيجيًا في تحقيق نتائج حاسمة طويلة الأمد. بدل أن تقضي على قدرة الخصم، فإنها غالبًا ما تولّد خصمًا أكثر إصرارًا وغضبًا، وتغذي عقدًا من الكراهية والرغبة في الانتقام، وتفتح أبوابًا لأزمات سياسية وعزلة دبلوماسية تزيد من تعقيد المشهد وتطيل أمد الصراع.
نماذج تاريخية توضح ذلك: في لبنان (نيسان/أبريل 1996) أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية "عناقيد الغضب" التي شملت قصفًا جوّيًا مكثفًا وعمليات أدت إلى مجزرة قانا ومأساة بشرية كبيرة وتشريد مئات الآلاف. بالرغم من العنف والدمار، لم تحقق العملية الأهداف المرجوة، وواجهت انتقادات داخلية وسياسية أدّت إلى مساءلات عن جدوى التكلفة العسكرية والسياسية.
مثالٌ آخر هو اجتياح مخيم جنين عام 2002، حيث دمر المخيم جزئيًا أو كليًا بواسطة آليات ثقيلة، واستشهد كثير من أبنائه. توقّع المحتلّون أن يطفئ هذا الاجتياح جذوة المقاومة، لكن الذكريات والصور والصدمة التي خلّفها الاجتياح أنتجت أجيالًا جديدة من المقاومين - تجلّى ذلك لاحقًا في ظهور تشكيلات مسلّحة مثل "كتيبة جنين" والتي حملت أسماء شهداء تلك الفترة.
وفي الحالة الفلسطينية الأحدث، تبدو موجات التدمير التي طالت قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، من هدم للمساكن إلى تدمير للبنى التحتية وقيود على وصول الإمدادات، امتدادًا لمنطق "إضعاف القدرة على الصمود". ولمّا فشلت الضربات في تحقيق أهدافها الاستراتيجية أو حلّ الإشكالات الاستخبارية والعسكرية، لجأت القوى المطبِّقة إلى تكثيف الضغوط الميدانية والاقتصادية كوسيلة تعويضية. لكن النتيجة كانت عزلة دولية جزئية وبلبلة سياسية داخلية، بينما بقيت آثار الدمار عاملاً مولدًا للمقاومة والاحتقان.
الأرض المحروقة والبقاء
عندما يتحول "البقاء" إلى غاية مطلقة تُقدَّس فوق كل اعتبار أخلاقي، تختلُّ الموازين وتُبرَّر كلُّ الأفعال باسم النجاة. بهذا المعنى يكتب عبد الوهاب المسيري أن إلغاء الأخلاق يبدأ حين يصبح البقاء هدفًا بحد ذاته. وإذا اعتُبر وجود دولة ما — هنا: إسرائيل - فوق أي نقد أو قيْد، فستُقدَّس أفعال العنف والتدمير ما دامت تُخدم هذا الوجود. تتحول بذلك مبادئُ الإنسانية والأخلاق إلى مراتب ثانوية، ويصبح المعيار الوحيد: هل يعزّز هذا الفعل بقاء الدولة أم لا؟
تُذكّر هذه الممارسة ببعض أُطر التفكير الإقصائي التي تبرّر العنف باسم "الخلاص القومي"، وتُجسد سياسةَ الأرض المحروقة بصيغتها العملية؛ إذ يرى أصحابها أن تدمير الآخر طريق إلى تأمين الذات. في السياق الفلسطيني، استُخدمت عباءة "الدفاع عن النفس" لتغطية حملات التدمير الواسعة في مخيمات مثل جنين وطولكرم، وفي قطاع غزة، فصارت العمليات أكثر من كونها مواجهات عسكرية ضيقة: إنها نزاعات وجودية ورمزية تهدف إلى تأكيد التفوّق والسيطرة وفرض معايير القوة والهيمنة.
ختامًا: ليست سياسة الأرض المحروقة مجرد أداة عسكرية عابرة، بل هي انعكاس لمنظومة فكرية وأيديولوجية ترى في التدمير وسيلة لإثبات الوجود والسيطرة، ولو على أنقاض القيم الإنسانية والأخلاقية. لقد أثبتت التجارب التاريخية، من مجزرة قانا عام 1996 إلى اجتياح مخيم جنين عام 2002، وصولًا إلى ما يحدث في غزة اليوم، أن هذه السياسة فشلت في تحقيق أهدافها؛ إذ لم تُنهِ المقاومة، بل أعادت إنتاجها وأشعلت جذوتها من جديد.
ما يجري ليس حربًا عسكرية محدودة، بل حرب وجودية ورمزية تستهدف الإنسان والمكان معًا - الأبنية والأشجار، البنية التحتية والخدمات الأساسية - مخلِّفةً أزماتٍ إنسانية ووطنية حادّة، ونزوحًا داخليًا وخارجيًا، وتفجّرًا في مشاعر الغضب والكراهية. غير أنّ النار، وإن أحرقت الأرض، لا تستطيع أن تُطفئ الفكرة ولا أن تمحو الذاكرة؛ فكل موجة دمار تُنبت جيلًا جديدًا من المقاومة، كما أثبت التاريخ مرارًا.
وللحدّ من تداعيات ما بعد سياسة الأرض المحروقة، لا بدّ من تحركٍ إنسانيّ عاجل ومستدام، وضغطٍ قانونيّ ودوليّ حقيقي، وفتح تحقيقاتٍ مستقلة لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. كما يجب إعداد خطة إعمارٍ شفافة تُدار برقابة دولية، تترافق مع مبادرات مصالحة ومعالجات نفسية ومجتمعية لترميم النسيج الاجتماعي للشعب في غزة، كي تنهض من تحت الركام إرادة الحياة، لا إرادة الفناء.





Share your opinion
الأرض المحروقة في الفكر الإسرائيلي ... بين وهم البقاء وفشل الإبادة