Wed 08 Oct 2025 9:35 am - Jerusalem Time

السابع من أكتوبر: ذاكرة عصية على النسيان

أمين الحاج

السابع من أكتوبر ليس خبرا عابرا، ولا تاريخا في سجل الحروب، بل لحظة صدع كوني، انكسرت فيها صورة القوة المهيمنة، وسقطت رواية زعمت لعقود ان الردع ابدي، وان التفوق حتمي، وفجأة بدا كل ذلك قابلا للتشقق، ذلك اليوم لم يكن يوما من الدم فقط، بل والوعي ايضا؛ اعلنت فيه غزة ان التاريخ يمكن ان ينعطف من أضيق الأزقة، وان الحصار الطويل قد ينجب ما تعجز عنه الجيوش.
 لن ينسى أحد قط هذا اليوم، لا العدو الذي رآه بداية تصدع أسطورته، ولا العالم الذي اكتشف هشاشة القيم التي لطالما تغنى بها، وستبقى مشاهده محفورة في ذاكرة العالم، مقاومون يعبرون الأسلاك كأشباح من ذاكرة النكبة، معسكرات ومستوطنات تنهار تحت ثقل الفزع، ونظام أمني يتهاوى أمام عزيمة بشرية خلقت من المستحيل فعلا، في تلك اللحظة سقطت فكرة ان القوة هي الحقيقة الوحيدة.
 منذ الساعات الاولى، استنفر الاحتلال كل ما لديه من آلة دعائية لشيطنة غزة؛ طفلا وامرأة، شجرا وحجرا، ارضا ومشفى، في محاولة لاستعادة السردية المفقودة، سردية لا ترى بداً من سحق المكان وساكنيه كي تستعاد الطمأنينة، تبرر عقابا جماعيا بلا سقف من قتل وتجويع، تصور المأساة ضرورة دفاعية، وتغطي نار الإبادة بلغة القانون، لكنه لم يدرك ان العالم لم يعد كما كان، الكاميرات التي نقلت المذابح، والشاشات التي فاضت بدماء الطفولة، كانت اقوى من بيانات المتحدثين العسكريين، وأفعل من آلات التضليل.
 شيطنة غزة لم تكن فقط خطابا سياسيا، بل اعتراف بالعجز امام واقع جديد؛ مجتمع صغير محاصر، يملك ارادة تزعزع منظومة القوة الاكبر، ومع كل دم جديد، كان الاحتلال يفقد مزيدا من شرعيته، لم يعد القتل قادرا على انتاج معنى، ولا الدم قادرا على ترميم الرواية، وهناك كان يتشكل البعد الفلسفي للحدث، حيث تفقد القوة قدرتها على إنتاج المعنى، حتى وهي تمطر النار، فالقوة المفرطة حين تفقد أخلاقها، تفقد معها القدرة على الاقناع.
 في المقابل، تحولت غزة من جغرافيا للدمار الى مختبر للكرامة، بين الأنقاض ووسط الخيام والمستشفيات المهدمة، ولد منطق جديد للحياة، منطق الصمود اليومي، تعليم بدائي في العراء، اطفال يكتبون احلامهم على جدران مدمرة، محاولات متكررة لاعادة تدوير الحياة من الـ "لا شيء"، أسر تعيد تدوير ما تبقى من منازلها لتقيم حياة، هذا الصمود لم يلغ المأساة، لكنه أعطاها معناه؛ هناك اكتشف العالم ان الصمود ليس فعلا غريزيا، بل فلسفة وجود، وان البقاء فعل مقاومة لا يقل شجاعة عن اطلاق النار، وهكذا انتقل مركز الثقل من سؤال من ينتصر ناريا، الى سؤال من يملك مشروعية الاستمرار على الارض.
 على الضفة الأخرى من وعي العالم، سقطت أقنعة كثيرة، انقسم الغرب والشرق، بين حكومات تبرر المجازر بلغة الأمن، وجموع خرجت تهتف للعدالة، في الجامعات والشوارع، تهاوت سردية التبرير، لانها فقدت جوهرها الاخلاقي، وصعدت لغات جديدة تمنح الضحية صوتا، وتعيد ترتيب موازين التعاطف والمعنى.
 لم يعد بالإمكان دفن الأسئلة الأخلاقية؛ كيف تحيا القيم في ظل ازدواجية المعايير؟ وكيف يستقيم العالم وهو يعجز عن حماية أبسط مظاهر الانسانية؟ بهذا المعنى، فان السابع من اكتوبر لم يعد مجرد يوم وتاريخ في سجل حركات التحرر، بل اختبارا كاشفا لضمير العالم، وحدود الحضارة التي تدعي الدفاع عن الانسان وهي تصمت امام إفنائه.
 سيبقى هذا اليوم شاهدا، لا على ضعف القوة او قوة الضعف فقط، بل وولادة وعي جديد، يدرك ان الهيمنة لا تصمد امام الاصرار، وان الاحتلال مهما تذرع بالرواية والقانون، يبقى عاجزا عن قتل الفكرة، وسيذكر التاريخ ان غزة ايقظت وعيا عالميا، جعل من غزة مرآة لحقيقة لم يعد بالامكان تجاهلها؛ فالحرية ليست خيارا سياسيا، بل قدر إنساني، لا يموت.

Tags

Share your opinion

السابع من أكتوبر: ذاكرة عصية على النسيان

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.