إذا كانت المسافة بين قطاع غزة ومدينة ناغازاكي اليابانية بعيدةً بحساب الكيلومترات، فإنها -بحساب التوحش والقوة الباطشة القاتلة الفتاكة- قريبةٌ قرب غزة من بحرها وركام مبانيها وأشلاء أطفالها، وقرب ناغازاكي من متحفها الذي خلّد الجريمة التي تعرضت لها المدينة مع توأمها هيروشيما في الثامن من آب عام ١٩٤٥ في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأسفرت عن مقتل نحو مئتي ألف من سكان المدينتين المنكوبتين.
عامان كاملان بالتمام والكمال مَرّا على أهلنا في قعر السعير، مرور ليل النابغة الذبياني، طويلًا، بطيئًا، تكاد كواكبه تُحجب خلف سُحب الدخان وأعمدة النار، التي دخلت غرف نوم الأطفال وهم نيام، وأحالتهم إلى أشلاء مُتفحّمة.
خلال عامين من الموت الزؤام، أُرخي خلالهما الحبلُ على غاربه، ليذهب القتلة إلى ما ذهبوا إليه من جرائم القتل والتدمير والتجويع والتعطيش والتهجير، دون أدنى التفاتةٍ للأنظمة والقوانين، وشرعة حقوق الإنسان، التي لا تنطبق على الأغيار لدى من يعتنقون عقيدة المحو والحرق والإبادة، بعد أن أعلنوا على الهواء قطع كل ممكنات الحياة، من غذاءٍ ودواءٍ وماءٍ وكهرباء.
أيّ كلامٍ يمكن أن يقال بعد أن بلغت الأرقام ما بلغت من قتلٍ ودمار؟! فوفق تقريرٍ بحثيّ استند إلى دراسة مقارنةٍ بين عدد سكان القطاع قبل الحرب، والعدد الموجود حالياً، منشور على منصة "هارفرد داتا فيرس" التابعة للجامعة المرموقة، فإن فجوةً سكانيةً تُقدر بـ٣٧٧ ألفًا من السكان بين شهيدٍ وجريحٍ ومفقود، فيما لا يزال حبل الدم على الجرار.
لعل أكبر ضحايا المقتلة طيلة الأيام الـ"٧٣٢" الأطفال والنساء، وسيظل صوت هند رجب المرتجف من رعب الموت في عتمة الليل يلاحق القتلة، ويطرق الضمائر الحية للإسراع في وقف شلالات الدماء، وعدم السماح للجُناة بالإفلات من العقاب… ذهب صوت هند، وغابت صورتها، وبقي الصدى شاهدًا وشهيدًا يصرخ: "لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم".. حوار الدقائق الأخيرة بين هند وأمها يختصر الرواية، ويفضح السردية الملفّقة والمتلفّعة بأيديولوجيا حارقة.
"ماما... تعالي خذيني والله يا حبيبتي مش بإيدي، لو بقدر كنت جيتك، وين اللي معك بالسيارة؟ ميتين وين إنتِ متخبية؟ في السيارة يعني جوّا السيارة مش بَرّا؟ آه ماما خليكي بالسيارة، راح أبقى فاتحة التلفون أحكي معك الدبابة جنبي، وأنا خايفة.. كم الساعة؟
كمان شوي بتصير ليل وأنا خايفة
تعالي خذيني"!





Share your opinion
ناغاغزة!